[سورة النساء — آية 166]
﴿ رُّسُلاً ﴾ نعت رسلا الأول أو الثانى ، ويقدر للآخر مع الاعتراض أو حالا من أحدهما ، ويقدر كذلك للآخر ، أو حال من إحدى الهاءين ، ويقدر للآخر ، وكل من الحال والنعت موطىء ، لأن المقصود وصفه بقوله ﴿ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ لا ذاته ، أو ينصب على المدح ، أو يقدر أرسلنا رسلا مبشرين ومنذرين ، ويجوز أن يكون بدلا لهذا القيد ولا ضعف فى قولك جاز زيدٌ ، زيدُ بنعمرن كما ادعى بعض المحققين ﴿ لِئّلاّ يَكُونَ لِلْنَّاسِ ﴾ متعلق بأرسلنا المقدر ، أو تنازعه مبشرين ومنذرين ﴿ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ ﴾ معذرة ، بأن يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك الخ ، وبأن يقولوا ، إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ، وبأن يقولوا ، لولا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴿ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ بعد إرسال الرسل بالكتب من عنده ، والآية دليل على أن حجة الله على عباده الكتب والرسل والعقل ، وهذا مذهبنا ومذهب الأشاعرة ، وإنما زيد العقل لأنه إنما يكلف العاقل ، ولا نقول بالتقبيح والتحسين العقليين كما قالت المعتزلة : إن العقل يدرك الأمور الشرعية كلها بلا كتاب ولا رسول ، إنما الكتب والرسل للتشبيه ، وأن معنى الآية لم يبق على الله حجة وإن لم يرسل الرسل والكتب فقد نصت الأشعرية على أنه لا حجة عليه أيضاً ، لأن له أن يفعل فى خلقه ما شاء ، والمعتزلة بهذا أولى ، لأن العقل عندهم وحده حجة ، والمذهب أن عليه الحجة بمعن الحق عنده ، والحكمة أن تعذيبهم بلا بيان لهم ظلم ، إلا أنى أقول حجة الله فى توحيده على خلقه أيضا العقل ، فإنه يدرك انفراد الله بالألوهية بعقله لدلائل المخلوقات ، فإذا أدرك الانفراد دعاه ذلك إلى خدمة من أوجده وأنعم عليه ، فيذهب ولو كان فى جزيرة لم يلق أحداً ، إلى من يعلمه كيفية الخدمة ، فيصح بهذا أن صاحب الجزيرة غير معذور ، إن لم يكن على دين نبى من الأنبياء والرسل ، والكتب مبينة ومفصلة لدلائل العقل ، وقومنا يقولون : كل كافر جاءه ملك ، أو من شاء الله عز وجل فدعاه إلى الإسلام فمن ذلك ما رووا عن الحسن البصرى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حجة الله على كسرى فيك؟ قال : « بعث الله عز وجل ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذى هو فيه يتلألأ نوراً ، فلما رآها فزع ، فقال : لم تفزع يا كسرى ، إن لله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم من دنياك وأخراك ، وقال : سأنظر فى ذلك » ، وكما روى ، أنه دعا يأجوج ومأجوج ليلة الإسراء فأبوا ، واللام متعلقة بمنذرين ، فيعمل مبشرين فى الضميرين ، وحذف لأنه فضلة ، أى مبشرين له ، أى لأجله ، أى لانتفاء الحجة على الله لعباده ، ولو علق بمبشرين لذكر الضمير ، مع منذرين ، هكذا ، منذرين له أى لأجله ، أى لانتفاء الحجة على الله ، وعلى الله متعلق بالاستقرار الذى تعلق به اللام ، أو بقوله للناس لنيابته عنه ، أو لا خبر للكون فيتعلقان به ، أو يتعلق به الله ، وعلى الله خبر ، وبد نعت الحجة ، أو متعلق بالكون أو بالخبر أو بنائبه ﴿ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً ﴾ لا يغالب على ما أراد وفى عقاب الكفار ﴿ حَكِيماً ﴾ فى كل ما أراد ، وفى العذاب بعد الإنذار ، قال ابن عباس : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود ، فقال لهم : إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله ، فقالوا : ما نعلم ذلك ، وأنى رؤساء مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، إنا نسأل اليهود عنك وعن صفاتك فى كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك ، ونزل ، إنا أوحينا إليك كما أوحينا .
. الخ ، قالت اليهود : لا نشهد لك بذلك أبدا حتى ينزل علينا كتاباً ويكون كالتوراة ، فنزل تسلية له واحتجاجاً عنه قوله تعالى :
﴿ لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ ﴾ من النبوة والقرآن ، أى أنهم لا يشهدون بذلك لكن الله يشهد بما أنزل إليك من القرآن الذى أنكروا إنزاله عليك ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وهو علم كامل بأنك أهل لإنزاله عليك لكمالك ، وأنك مبلغه إلى عباده أو بمصالح العباد معاشاً ومعاً فى إنزاله عليك ، وبأنه لا يغيره شيكان ، والباء للملابسة والعلم باق على المعنى المصدرى ، وبتأليفه المعجز عن المعارضة والإتيان بمثله ، أو أوحينا إليك كما أوحينا إلى من قبلك ، لكن للإيحاء إليك مزية بشهادة الله عز وجل بالتصريح والملائكة بعمومهم ﴿ وَالْمَلاَئِكَةُ ﴾ ملائكة العرش والكرسى ومن دونهم ﴿ يَشْهَدُونَ ﴾ أنك رسول الله بالقرآن أصفاء قلوبهم عن الكدوارت المانعة عن الإدراك ، ولمشاهدتهم نزوله عليه ، ولو استعمل المشركون من اليهود وغيرهم عقولهم لأدركوا ذلك وأخذواه من التوراة والإنجيل ، أو قل للملائكة يشهدون بواسطة حضورهم يوم بدر ظاهرين للناس ، كما وعد لهم بالغلبة ﴿ وَكَفَى ﴾ عن شهادة الخلق ﴿ بِاللهِ شَهِيداً ﴾ لما أقام من الحجج عَلَى نبوتك ورسالتك .