[سورة الدخان — آية 4]
﴿ إنَّا أنْزلناهُ ﴾ أى أنزلنا الكتاب الذى أزلناه وأقسمناه وهو القرآن ، والقسم بالشىء على نفسه جائز كقولك : والله ان الله هوالحق ﴿ فى ليلة مباركة ﴾ أكثر الله فيها الخير وأثبته ، وهى ليلة القدر عند الجمهور وهو الصحيح ، وليلة القدر فى رمضان ، وقيل : الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان ، وتسمى الليلة المباركة ، وليلة الرحمة ، وعن ابن عباس : إن الله تعالى يقضى الأقضية ليلة النصف من شعبان ، ويسلمها الى أرباها ليلة القدر ، وتسمى أيضا ليلة الصك ، وليلة البراءة ، لأن قابض الخراج اذا استوفاه كتب لهم براءات كبراءات الدون المقضية ، وبراءة الجانى إذات تخلص ، وقولهم : براوات خطأ .
سأل صلى الله عليه وسلم ليلة الثالث عشر من شعبان فأعطى ثلث أمته ، وليلة الرابع عشر فأعطى ثلثيها ، وليلة الخامس عشر ، فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير ، قالعلى بن أبى طالب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموها وصوموا نهارها فان الله تعالى ينزل فيه لغروب الشمس الى السماء الدنيا فيقول : ألا مستغفر فأغفر له ، ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى فاعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر » ومعنى نزول الله سبحانه وتعالى نزول ملك يقول عن الله تعالى ، روى ذلك الحديث ابن ماجه والبيهقى .
قالت عائشة رضى الله عنها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان الى السماء الدنيا ، فيغفر لأكثر من عند شعر غنم طالب » رواه الترمذى ، والبيهقى ، وابن ماجه ، وابن أبى شيبة ، ومعنى نزوله نزول رحمته ، ومعنى انزال القرآن فى اليلة المذكورة فى الآية انزاله جملة الى البيت المعمور ، فى السماء الدنيا ، وهو مسامت الكعبة ، وكان به جبريل شيئا فقيل : كان ابتداء الوحى مناما فى ربيع الأول ، وبعد ذلك نزل أول القرآن نزولا ، وهو : ﴿ أقرأ باسم ربك الذى خلق ﴾ فى يوم الاثنين لسبع عشرة مضت من رمضان ، أولسبع منه أو لأربع وعشرين منه ، ومضت ثلاث سنين بعد نزول : ﴿ اقرأ باسم ﴾ فنزل ﴿ يا أيها المدثر ﴾ وفضل الأزمنه والأمكنة لذاتها ، أو لنما يقع فيها من الأعمال ، أو يحل فيها ، قولان ثالثهما أنه يجوز بعضها لذاته ، وبعضها لخارج ، ومن ذلك قبره صلى الله عليه وسلم فانه أفض من الكعبة والعرش والكرسى ، لحلوله فيه تعالى الله من الحلول فى العرش أو الكرسى أو غيرهما ، أو فى زمان ، ويدل على أن الفضل بالذات فى حكم الله تعالى ، أن الله سبحانه وتعالى اختار أزمنة وأمكنة للعمل أو الحلول قبل أن يكون العمل أو الحلول ، وهو حكيم لا يهمل أمرا ولا يعبث .
﴿ إنَّا كنَّا مُنْذرين ﴾ من شأننا وحكمتنا الانذار تخويفا بالعقاب لا الاهمال ، ولذلك كان انزال الكتاب ، فهذا عائد للانذار وقوله :
﴿ فيها يُفْرقُ أمر حَكيمٍ ﴾ عائد لليلة ، سواء جعلناه نعتا ثانيا لليلة ، أو مستأنفا ، أو جواب القسم ، وإنا انزلناه الخ معترضا أو جوابا ثانيا للقسم ، كما يتعدد الخبر بلا عطف ولا ابدال ولا تأكيد ، فيكون الاقسام على المجموع ، وعليه فيجوز أن يكون ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ جواب القسم ، فيحصل له ثلاثة أجوبة ، وكما كان الله منذرا كذلك ، كان مبشرا إلا أن المقام للانذار لشدة كفرهم واصرارهم .
ومعنى يفرق يلخص ويفصل للملائكة خارجا بعد أن كان فى اللوح مستورا مخلوطا بغيره ، ومعنى حكيم محكم لا يبدل أو يغير بعد ابرازه للملائكة ، وأما قبله ففى اللوح يمحو منه ما يشاء ويثبت ، كذا قيلن وفيه أنه يقع النسخ بعد الابراز والنزول ، أو حكيم بمعنى محكوم به ، أو ملتبس صاحبه بالحكمة ، أو ذو حكمة كتامر ولابن ، يكتب فى ليلة القدر عند الحسن وغيره ، وفى ليلة النصف من شعبان عند عكرمة وغيره ، ولكل سنة ما يقع فيها من رزق أو حياة أو موت ، أو مطر أو حاج ومعتمر ، وأجل وتزومج ، وطلاق وصلح ، وفتنة وحرب ، ومرض وصحة ، وآفة وعافية وغير ذلك ، ولا يزاد على ذلك ولا ينقص ، وان الرجل لينكح ويولد له ، وقد خرج اسمه فى الموتى ، وتدفع نسخة الأرزاق الى ميكائيل ، ونسخة الحروب والزلزال والصواعق والخسف الى جبريل ، ونسخة المصائب الى اسماعيل صاحب السماء الدنيا ، وهو ملك عظيم ، ليلة النصف من شعبان ، وتسلم الى أصحابها ليلة السابع والعشرين من رمضان ، والصحيح أن الليلة ليلة القدر ، نعم قيل : ليلة القدر ليلة النصف من شعبان ، ولا نقول به .