مقارنة بين كتابي الوضع ومختصر الخصال لفرحات الجعبيري
الجزء ١ · صفحة ٥٣1 ـ النّزعة التّعليميّة:
وإن اكتفينا بالتّلميح إليها من قبل فإنّنا نؤكّد هنا أنّ همّ الفقيهين كان يتمثّل في تبليغ الحكم الشّرعيّ للقارئ أو المستمع ـ؛ لأنَّ مثل هذه الكتب كثيرا ما تقرأ في حلقات الدّرس ـ ليتعلّمه المسلم ويحفظه ويعمل به غير مشوب بما يعرف من تعدّد الأقوال الّتي تشتّت ذهن المسلم. فالأساس بالنّسبة إلى الفقيهين التّيسير، وذلك عن طريق الاكتفاء بعرض أرجح الأقوال في كلّ المسائل المطروحة.
هذا دون أن نغفل عن أنّ الفقيهين جلسا للتّدريس والفتوى ـ وحلقات الفتوى ضرب خاصّ من حلقات التّدريس تتعدّد فيها المسائل بتعدّد الأسئلة المطروحة ـ ولا شكّ أنّ لمثل هذا الجلوس للتّعليم والفتوى أثره الفعالّ في الكتابة، إذ يستحضر الفقيه في ذهنه ما طرح من مشكلات فيسعى إلى حلّه بأقرب السّبل، وتمثّلت أقرب السّبل هذه في السّمة المشتركة الأساس بين الكتابين، وهي سمة الإحصاء.
2 ـ سمة إحصاء المسائل وتعدادها بدقّة علميّة:
عن النّزعة التّعليميّة انبثقت بدون شكّ سمة العدّ والإحصاء، تلك السّمة الّتي تمكّن من حفظ المعلومة والحفاظ عليها واستحضارها عند الحاجة، وقد بيّنا أنّه وإن نسي الإنسان بعضا من تفريعات المسائل فإنّ حفظ العدد الجملي يحتّم عليه مراجعة النصّ المحفوظ، أو الاستعانة بمن يحفظه.
فالنّصّان وإن لم يكونا متنين مختصرين بمفهوم المتون النّثريّة أو الشّريعة الّتي عرفت فيما بعد في جميع العلوم الإسلاميّة، فإنّهما قريبان من مثل هذه النّصوص الدّقيقة، ومختصر الخصال في عديد المواطن أقرب إلى هذه المتون، كما أنّ كتاب الوضع لا يخلو أيضا في بعض المواطن من مثل ذلك.