إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٥٦إن شريعة الله تبارك وتعالى أتت على القليل والكثير من حياة الإنسان، سواء كان ذلك بالنص أو بالإجمال، وإنما يتمكن الراسخون في العلم الذين أنار الله تبارك وتعالى ألبابهم وشرح صدورهم حتى يستخرجوا الأحكام الشرعية من مكنونات الأدلة ليضعوا كل شيء في موضعه.
ومن المعلوم أن حياة الإنسان لا تستقر على حال، فمنذ أن خلق الله تبارك وتعالى الجنس البشري واستخلفه في الأرض تسير الحياة في نمو وتطور مطرد لا تقف عند حد معين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولئن كان التطور فيما سبق من القرون والأحقاب الماضية كان بحسب ما جعل الله سبحانه وتعالى من طاقات عند البشر وبحسب ما آتاهم من وسائل فإن هذا التطور أيضاً تسارع في عصرنا وصار يسابق الأحداث الزمنية، بل يمكن أن نقول مجازاً بأنه يقاس بسرعة الضوء لكثرة تقلبات الأحوال من حال إلى حال، ومع هذه التقلبات لا بد أن يكون هناك استيعاب لقضايا الحياة على اختلاف أنواعها وإنزال كل شيء منزله، وإعطاء كل قضية حكمها، حتى تنسجم الحياة الإنسانية مع أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن الفقهاء الربانيين لا بد لهم أن يكونوا على بينة من أمرهم عارفين بعصرهم، وهذا ما يعبر عنه بفقه الواقع، بحيث يعرف الإنسان القضايا المستجدة ويعطي كل قضية من هذه القضايا حكمها.
فطلبة العلم في وقتنا مطالبون بما لم يطالب به أسلافهم من معرفة الأحوال المستجدة والقضايا المتطورة التي تحتاج إلى حلول لمشكلاتها ورفع لمعضلاتها، وذلك أن يكونوا أبناء عصرهم في متابعة ما يقع ويحدث أولاً بأول ليعطوا الحلول للمشكلات، فالعالم الرباني ليس ذلك الذي يتقوقع بين جدر أربعة لا يعرف ما يجري وراءها، إنما هو الذي يتابع سير الأحداث أولاً بأول، مع رسوخ قدمه في العلم ومعرفته بكتاب الله سبحانه وتعالى وبسنة نبيه صلوات الله وسلامه.