إعادة صياغة الأمة (الكتاب المطبوع) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

2. كذلك وقع الاختلاف بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عندما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى بني قريظة وحثهم على الإسراع في هذا الذهاب، حتى إنه قال لهم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (2)، فظن بعضهم أن تصلى العصر في بني قريظة ولو تأخر الوقت ووصلوا إلى هناك في وقت العشاء، وذهب فريق آخر إلى أن المراد التعجيل في المسير، فلو حضرت صلاة العصر قبل ذلك عليهم أن يصلوها قبل فوات وقتها؛ لأن الصلاة كتاب موقوت، فعمل هؤلاء بما وقر في وجدانهم وانقدح في أذهانهم وكذا الآخرون، ولما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر كل فريق منهم على ما فعلوا، فلم يعنف الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، ولا الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إليهم، فلم يقل لهم: خالفتم أمري أو إنما قصدت تعجيل مسيركم إلى بني قريظة، إنما أقر كلا الفريقين على اجتهاده، وفي هذا ما يدل على أن الاجتهاد في المسائل الفرعية الظنية سائغ بإقرار كل فريق على ما وصل إليه.

فلا ينبغي أبداً للداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ من مسائل الرأي سبباً للفرقة وقطع الحبال الواصلة ما بين الجانبين، بل عليه أن يعذر أخاه في ذلك، إن كان قد انقدح في ذهنه وترجح في قرارة نفسه رأي آخر.


(1) الربيع (618)، ابن ماجه (3314)، الموطأ (648)

(2) البخاري (904)، مسلم (1770).

أمثلة من اختلاف العلماء في الرأي

والعلماء المجتهدون مختلفون في الكثير من المسائل، فربما ضيق هذا في رأيه على الناس ووسع الآخر، والذي يقلد عالماً من هؤلاء العلماء عليه أن يرجع إليه في هذه القضايا، ولكن لا يعني ذلك أن يحمل الناس على تقليده للعالم الذي يقلده، كما أن الذي يقلد العالم المترخص لا يحمل الناس على تقليده، فعلى كل واحد من المقلِدَين أن يرجع إلى مقلده ليأخذ رأيه ويعتمد عليه.

١٨٣ / ١٨٨