إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٨٤وقد وقع الخلاف بين الترخيص والتشديد في عهود الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
1. فنجد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان متشدداً جداً، لا يفتي إلا بما هو أشد، وإن اطلع على أمر فعله الرسول صلى الله عليه وسلم يلتزم ذلك الأمر مهما كلفه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم في دفعه من عرفة وقف بمكان هنالك ليقضي حاجته، وقيل له الصلاة يا رسول الله، فقال: (الصلاة أمامك)(1)، فكان ابن عمر رضي الله عنهما عندما يصل إلى ذلك المكان وهو محرم بالحج يلتزم أن يقف هنالك ويريق البول كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
2. بينما ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان من الذين يفتون بالرخص، فكان يترخص في الكثير من الأمور، فبعض الناس عمل برأي ابن عباس، وبعضهم عمل برأي ابن عمر، فلم يعنف أحد منهم الآخر، بل كانوا يعذر بعضهم بعضاً.
ونجد في علمائنا من نحا هذا المنحى في عصر واحد، منهم من يتشدد ومنهم من يكون رأيه بخلاف ذلك.
-فابن محبوب (2) رحمهما الله كان كابن عمر في تشدده، فلذلك يفتي بما هو أشد.
-وموسى بن علي رحمهما الله كان يفتي بالرخص.
ولذلك وقع الخلاف بينهما في الكثير من القضايا، ولم يكن أحد العالمين يعنف العالم الآخر ولا من أخذ برأيه، ومن أمثلة المسائل التي اختلفوا فيها:
- أن ابن محبوب رحمه الله كان يقول في المرأة التي تزوج بدون ولي إن دخل بها الزوج يفرق بينهما، ولا تحل له لأن الولي شرط من شروط صحة النكاح، فكان يرى ما فعله عمر رضي الله عنه في جلد المتزوج والمتزوجة ومن عقد بينهما والشهود مع التفريق بين الزوجين، بينما موسى بن علي (3) يرى الزواج بغير ولي لا يصح، ولكن إن وقع الدخول لم يفرق بينهما، وقد علل العلماء قوله هذا بأنه وجد رأياً لبعض أهل العلم أنه لا مانع من أن تزوج المرأة نفسها، فلئلا يكون الزوجان آخذين بهذا الرأي رأى عدم التفريق بينهما.
(1) البخاري (139)، مسلم (1280).
(