إعادة صياغة الأمة (الكتاب المطبوع) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٩٦

ومن أمثلة ذلك ما كان من استئسار المصريين قبل الإسلام للوهم، حيث كانوا يعتقدون أن النيل لا يجري إلا إذا ألقيت له فتاة بكر من أحسن الفتيات جمالاً في أكمل زينتها (1)، لكننا نعلم أن النيل من خلق الله، يأتي من أماكن معروفة، فجزء منه يأتي من بلاد الحبشة، وجزء منه يأتي من بحيرة (فكتوريا) التي كانت تسمى من قبل بحيرة (نيانزا)، وهي من أكبر بحيرات الدنيا، فما الذي يمنع هذا النيل من الجريان إن لم ترم له هذه الفتاة؟ ! وما الداعي إلى أن تقدم إليه هذه العرائس؟ ! وما الذي يعني النيل وجريانه من هذا الأمر؟ !، واستأسر الناس لهذا الوهم وظنوا أن النيل لا يجري، مع أن فيضان المياه بكثرة الأمطار التي تصب في تلكم البحيرات، والروافد التي ترفد تلكم البحيرات هي التي تزيد من جريان النيل عندما يشاء الله وتبارك وتعالى ذلك، وتلك سنة مطردة في كل عام من الأعوام، فما الذي يمنع النيل من الجريان؟ ! !.

ولما خشوا بعد الإسلام إن لم يفعلوا ما كانوا يفعلونه قبل الإسلام أن يتوقف جريان النيل، كتبوا بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فعالج عمر رضي الله عنه هذا الوهم علاجاً نفسياً، حيث أرسل إليهم كتابه في ورقة صغيرة كتب فيها (إلى نيل مصر، إن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا في جريانك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر)، هذا علاج لذاك الوهم، وإلا فما الذي يمنع النيل من الجريان؟ !.

وإنما عولج هذا الوهم بأمر عقدي، من خلال بيان سنة الله تبارك وتعالى وأن الكون كله مصرف بأمره، هو الذي يسبب الأسباب ويجعل المسبَََبَات مرتبطةً بها، فهو الذي ينزل الأمطار متى يشاء سبحانه وتعالى، فتزيد المياه وتتدفق من تلك البحيرات في أفريقيا حتى تصل إلى النيل.

٩٦ / ١٨٨