الأعمال الكاملة لبدر العبري ج6
الجزء ١ · صفحة ١٦٠كما أنّ الناس تركوا فضل آخر الليل، اعتقادا منهم أنّ أوله يجزيء، بل هو أفضل، ولا شك أنّ أول الليل إن قامه فحسن، سواء بمفرده أم مع الجماعة، ركعتين كان أم أكثر، والإقلال من الركعات مع الخشوع والتأمل والخضوع أفضل، فلو صلى الناس ركعتين بخضوع وتبتل؛ أفضل من عشرين ركعة مع سرعة، أو تجعل فتنة للناس، والصلاة آخر الليل أفضل، وهي من التراويح، وليست مستقلة عنها، فكلًً قيام لليل، قال تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(1).
وفي الرواية أيضا بيان أنّ القيام المقبول إذا كان مربوطا بالإيمان والاحتساب، وقيام الليل يظهر فيه الرياء بصورة واضحة، لذا يجب استحضار مقصد الإخلاص لله سبحانه، وإلا فالقيام مردود على صاحبه، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(2).
قوله: ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وليلة القدر سبق الحديث عنها، وعن الاختلاف في وجودها أصلا من عدمه(3)، ومن قال بوجودها في رمضان في أي ليلة هي؟!
وعلى العموم ذكرها هنا من باب ذكر الخاص من العام، أو البعض من الكل، فهي داخلة في فضل قيام رمضان، مع شرط الإخلاص لله سبحانه.
الرواية الثانية: وعَن أَنَس بْن مَالِك؛ قَالَ: دخل رمضان، فقال رَسُول اللَّهِ - صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمْ -: إنّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كلّ محروم.
(1) الذاريات/ 17 - 18.
(2) الكهف/ 110.
(3) وممن قال بانقطاعها من التابعين الخليل بن أحمد، إذ قال إنها وقعت مرة بنزول القرآن ولا تعد، ومع وجاهة هذا القول، إلا أنّ المسألة تحتاج إلى نظر وتأمل أعمق.