الأعمال الكاملة لبدر العبري ج6
الجزء ١ · صفحة ٣٠لذا لا يمكن التسرع في الحكم على الظواهر المستجدة إلا بعد دراسة كافة جوانبها، فالذي لا يدخل السوق لا يمكن أن يفتي في أحكام السوق، ولهذا لا بدّ أن نضع هذه الظاهرة في مكانها الصحيح، ولا بدّ أن ندرسها اجتماعيا وصحيا، بجانب الدراسة التربوية والنفسية، ومن ثمّ يأتي دور الشريعة الخالدة التي تضع الظاهرة في محلها الصحيح، وإلا وقعنا في نفس ظاهرة الدخان، عندما جُردت عن الدراسة الصحية والاجتماعية وما يتعلق بها، فقد كانت الفتوى فيها بالإباحة أو الكراهة عند كثير من أهل العلم ـ عدا القليل من العلماء الذين أفتوا بالحرمة ـ ممّا ساعد في انتشارها، وأصبحت وبالا على المجتمع، وعندما بدأ العلماء بمراجعة الفتوى، والنظر في أبعادها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، كان شبه اتفاق بعدم الجواز.
وإذا جئنا لرأي الشرع في هذه الظاهرة نجد أنها تؤثر على الكليات، والتي بها تقوم حياة الإنسان، وهي:
أولا: جانب الدين، حيث أنّ المتعاطي لهذا التبغ بأشكاله المنوعة يصبح أسير هذه العادة السيئة، فهي تسخره وتقوده إلى كثير من المحارم والمكروهات، لعجزه عن الفكاك عنها، لذلك يحرص المدخن أن يوفر من أجل التدخين، ولو كان ذلك لتقتيره على عياله في الإنفاق، وحرمانهم من بعض ضرورات الحياة وحاجاتها، وقد يدفعه الحال إلى أن يستجدي غير مبال بإذلال نفسه، وإراقة ماء وجهه، ولربما بلغ به الأمر إلى الاحتيال والسرقة، وكل ذلك مما يأباه الإسلام على أتباعه، فالتمباك والجراكو وغيره يؤثر على دين الإنسان ومروءته، ويقوده إلى محرمات أخرى، والقاعدة تقول: ما كان وسيلة إلى الحرام فهو حرام.