الأعمال الكاملة لبدر العبري (ج6) بدر بن سالم بن حمدان العبري

الأعمال الكاملة لبدر العبري ج6

الجزء ١ · صفحة ٤٨

والناس في تراثهم قسمان: قسم غالى وأفرط في تقديس التراث، وأنفق من أجله الأموال ولو على سبيل حاجات الناس الضرورية، بل ومنهم من اتخذ التراث إلها من دون الله تعالى، كمقدسي الأضرحة والقبور، ومنبع الأفلاج والعيون.

وقسم آخر من الناس أصابه التفريط، فأهمل التراث، واعتبره جملة قرين الشرك، أو لم يلقَ به بالا رأسا، وقد يسعى في هدمه ودفنه لاعتبارات ظنية.

والشريعة الغراء وسط بين هذين الجانبين، فلا إفراط ولا تفريط، فالحفاظ على تركة الأجداد من التلف مع مراعاة الجوانب الأخرى، عنصر حضاري يدعو إليه الشرع الحنيف، فالله تعالى ربط بعض العبادات بأحداث تأريخية كالسعي والطواف وزيارة المسجد الأقصى، فالتراث وإن غالى في القدم كان خير شاهد لمن سلف، ومذكرا للخلف بفناء هذه الحياة الدنيا، كما أنه يمدنا بشواهد مادية على تأريخ مضى من حياة هذا الإنسان.

وإذا جئنا إلى المساجد فالمساجد فوق كونها تراثا تدل على حقبة من الزمن، يشدُّ بناؤها لتلك الأوقات الإيمانية التي قضيت في رحاب الله تعالى، من صلاة وقراءة وتعليم، وفوق هذا تحتفظ بمكانتها كمسجد ومصلى إلى يوم القيامة، فالجمهور من أهل العلم أن لأرض المسجد أو المصلى قدسية باقية إلى يوم الدين، لا تستبدل ولا تزول عنها هذه المكانة.

لذا جعل هذه الأماكن الطاهرة مكانا للدنس والأوساخ، ومرتعا للفواحش والمنكرات، ومحلا للزبالة والقمامة؛ إنما يدلّ على تخلف وصل إليه أفراد من هذه الأمة، فلا يجوز أن تدنس هذه العرصات، والتي طالما ارتفع منها اسم الله بمثل هذه القاذورات؛ بل يجب أن تصان وترعى، وتحفظ وتطهر، وإن كان الناس في غنى عنها فلتجعل مدرسة أو مكتبة ولو صغيرة، أو تحفظ لعل الأجيال المقبلة تحوّلها إلى مكان نافع مع بقاء قدسيتها المسجدية على قول الجمهور.

٤٨ / ١٨٦