الاقتصاد في تكاليف الزواج لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٢على أنه لا يكفي ذلك، بل على الإنسان أن يكون قدوة للآخرين الذين يحرصون دائما على أن ينظروا إلى من كان أعلى منهم في النفقات والبذخ، وليس كل أحد يستطيع أن ينفق النفقة التي يقوم بإنفاقها القوي، لذلك كان لزاماً على من مَنَّ الله عليهم باليسر أن يراعوا من دونهم في هذا الأمر.
إن كل شيء في النفقات يخرج عن حدود الاعتدال فهو مما يدخل في الترف، والترف من أخطر المخاطر على الأمم، فإن الترف يفتك بالأمم فتكاً ذريعاً، يفتك بها في أخلاقها وفي مقومات حياتها، ويجعلها أمة شهوانية تلهث وراء شهواتها ولا تبالي بما تضحي به من المال في سبيل إشباع السعار الحيواني في نفسها، ولذلك نجد أن الترف يقرن في كتاب سبحانه وتعالى بكل شر، سواء كان شراً دنيوياً أو شراً أخروياً، وناهيكم أن الله سبحانه وتعالى عندما ذكر عباده أنهم ينقسمون يوم القيامة إلى ثلاثة أقسام، ذكر كل قسم بما وصفه به، وعندما جاء إلى أصحاب الشمال والعياذ بالله وهم الذين يساقون إلى النار، أول ما وصفهم به أن قال فيهم: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾(1) فهذا مما يدل على أن عذاب الآخرة والعياذ بالله منشأه الترف، وكذلك عذاب الدنيا فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأرُونَ ﴾(2) وقال: ﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ، لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴾(3)