البعد السياسي للفقر وعلاجه
الجزء ١ · صفحة ١٥وأي حجة تقوم للدين إذا فشل في تحديد موقفه علمياً من هذه المآسي الفاجعة؟(1)
ولئن كانت السياسة المتعجرفة هي التي أفرزت هده المشكلة فإذاقت الجماهير لباس الجوع والخوف، وجرعتهم حميم الذل والهوان، فهاكم صوراً من نظم اقتصادية جائرة عانت الإنسانية شرها الوبيل ورزحت الشعوب تحت نيرها ردحاً من الزمن بل ولا تزال وهي تلفحها بضرام سعيرها المحرق .
1) الرأسمالية:
تمخضت الثورة الصناعية في الغرب عن ميلاد النظام الرأسمالي وهو نظام له خصائصه الفلسفية ومنهجه الاقتصادي ، فهو يقوم على التصور المادي المطلق للحياة ، وذلك بعزل الدين والأخلاق جانباً عن النهضة الاقتصادية في جميع شؤون الحياة ، فهو يفسح الميدان لينطلق العملاق الرأسمالي الخارج من رحم هذه الثورة الكبرى غير مكبل بقيود من الدين ولا مراقب برقيب من الأخلاق، لأن ذلك مما يعوق انطلاقه في دنيا الناس ليحقق مآربه ويصيب مراميه ويصل إلى غاياته، وبناءً على ذلك تميز منهجه الاقتصادي بإعطاء الفرد حريته المطلقة في الإثراء من غير أن يقيم وزناً للمجتمع ، فلا يزعجه تصاعد أنات المحرومين وصرخات المعوزين وزفرات المظلومين ، ولا يكدر صفو حياته ما يشاهده من أحوال البؤساء الواخزة لضمائر أولي الفطر السليمة المحركة لمشاعرهم ، ولهذا كانت يد الفرد مطلقة - بحكم هذا النظام - للاستكثار من الثراء بقدر المستطاع، فأباح له الربا والمقامرة والاحتكار ولو من الأقوات الضرورية، كما أباح له أن يثري من خلال المتاجرة بالأعراض والخمور وغيرها مما يزيد الشعوب والأمم إغراقاً في الفقر، وإنهاكاً للقوى، وعجزاً عن النهوض لملاحقة ركب التقدم ومواكب الازدهار .
(1) محمد الغزالي : الإسلام والمناهج الاشتراكية ، ص30-31 ، ط. نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.