البعد السياسي للفقر وعلاجه
الجزء ١ · صفحة ٢٦ولا يخفى أن شبح التأميم عندما يهدد رؤوس الأموال و يقض مضاجع أصحاب الثروات يجمد الحركة الاقتصادية ويقف بعجلتها عن الدوران ؛ بسبب تعطيله الطاقات وتجميده الملكات، فمن الذي يأمن أن يقوم بمشروع تجاري أو صناعي أو زراعي عملاق تشغل فيه أيدي العاطلين ، وتشبع من ورائه بطون الجياع ، وتكتسي بنتاجه أجساد العراة؟! مع أن عين النظام ساهرة ترقب كل مشروع من هذا النوع ، لتسلط عليه نار التأميم الملتهبة ، التي يأتي ضرامها على كل ثروة ، فيحوله أكواماً من الرماد المتطاير ، فكيف يطمئن أحد في مثل هذه الأجواء المرعبة إلى القيام بأي مشروع مع أن هذا الشبح المخيف يلاحقه ؟! أليس مثل هذا النظام هو الذي يدفع بالناس إلى التحايل على القانون ، ولو بأساليب مستميتة من أجل تهريب ما تبقى من ثرواتهم تحت أغشية من الظلام الدامس إلى مجتمعات أخرى ، توفر أنظمتها للمشروعات الاقتصادية أجواء آمنة يمكن فيها لأربابها أن يمارسوا أنشطتهم بكل هدوء وطمأنينة ، وهذا ما يجعل موطن تلك الثروات مقفراً من خيراتها، وإنما تنعم بها مواطن أخرى لم تكن تمت بصلة إلى أهلها .
4) العولمة:
بعد تلك المكابدة المريرة من أنظمة الشيوعية والاشتراكية الجائرة ، التي عصرت المجتمعات عصراً مستنفدة ما فيها من ماء الحياة ، أخذت هذه المبادئ في الانحسار لاصطدامها بنواميس الفطرة وتقهقرها أمام المد الطبيعي للحياة ،و لكن ما كاد الناس يستعيدون أنفاسهم حتى تمكنهم الراحة والاسترخاء في أجواء آمنة من القلق إلا وقد فوجئوا بمارد عملاق يخرج إليهم من باب النظام العالمي الجديد فاغراً فاه ليبتلع شعوب العالم قاضمة أنيابه العصل ثرواتها وخصائصها ومقوماتها ، ذلك هو مارد العولمة الجشع المنهوم الذي لا يقنع رحى معدته الطحون إلا اجتياح العالم والتهام ثرواته ، ومع كل ذلك يصيح وينادي "هل من مزيد؟" فما هي العولمة ؟ وكيف وصلت إلى هذا القدر من نشر الرعب في قلوب الآمنين ؟