البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

البعد السياسي للفقر وعلاجه

الجزء ١ · صفحة ٤٧

فإنها تبيد الثروات كما تبيد النار الهشيم وتعطل الملكات والطاقات وتأسر نفوس من اعتادوها حتى لا يروا إلى الفكاك منها سبيلا، وكأين من ثري ورث أمولاً طائلة لا تكاد تدخل تحت الحصر تحوَّل بتأثير المقامرة إلى عائل مساكين يستعطف الناس من أجل لقمة يشغل بها شيئاً من فراغ أمعائه أو طمر يواري به سوأته أو مأوى يأويه من لهيب الصيف أو لفح الشتاء أظلمت في وجهه الدنيا بعد ابيضاضها وضاقت به رحاب الفضاء بعد اتساعها واكفهر في وجهه الزمن بعد انبساطه ، وما كان ذلك إلا بغشيانه نوادي القمار التي تجتاح في ساعة من ثروة الإنسان ما قد جمعه آباؤه في قرون فإذا هي أثر بعد عين ، ولكم سمعنا وقرأنا عمن خسروا الملايين والمليارات في مقامرة ساعة وقد يخسر أحدهم حتى ثيابه التي على جسمه، ولربما أفضى به شغف المقامرة إلى أن يقامر حتى بحليلته .

نقل السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار عن أستاذه الإمام محمد عبده أنه قال: (إنني أعرف رجلاً كانت ثروته لا تقل عن ثلاثة آلاف ألف جنيه (ثلاثة ملايين) فما زال شيطان القمار يغريه باللعب فيه حتى فقد ثروته كلها وعاش بقية حياته فقيراً معدماً حتى مات جائعاً ، وذكر أنه ربح في ليلة تسعمائة ألف فرنك فقال: لا أبرح حتى أتمها مليوناً فلم يبرح حتى خسرها إلى مليون آخر ، وهكذا شأن أكثر المقامرين يغترون بالربح الذي يكون لهم أو لغيرهم أحياناً فيسترسلون في المقامرة حتى لا يبقى لهم شيء).(1)

(1) السيد محمد رشيد رضا : تفسير المنار :2: 266 ، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب

٤٧ / ٧٠