البعد السياسي للفقر وعلاجه
الجزء ١ · صفحة ٤٩إن الإسلام الحنيف لم ينحصر علاجه لمشكلة الفقر في محاربته وحده بل أتى على مشكلات الحياة مشكلة مشكلة فحل عقدها وقضى على أسبابها وتتبع جذورها فشملها استئصالاً وإبادة وجاء البشر بنظام رتيب ينظم الحياة بأسرها ، وينسق بين جميع جوانبها ، ويقضي على كل نشاز واضطراب فيها وقبل أن يعنى بهذه الجوانب المترامية الأنحاء بدأ بالنفس البشرية التي هي محور هذا الأمر فأصلح فسادها وقوَّم اعوجاجها بما دعا إليه من تزيكتها ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) ﴾ [الشمس] وكانت نقطة انطلاقه في هذا المجال الرحب هي وصل هذا المخلوق بخالقه حتى تكون نزعته في الحياة نزعة ربانية لا يرد ولا يصدر في أي شيء كان إلا حسب ما يكون مرضيا لله وموافقاً لحكمه ثم وصل الفرد بمجتمعه وذا القربى بقريبه ، بل وصل الإنسان بجنسه كما أنه ربط بين العمل وجزائه وقرن بين الدنيا والآخرة وبين الملك والملكوت ، وبين عالم الشهادة وعالم الغيب ، ومع كثرة نصائحه وتوجيهاته ووفرة أوامره ونواهيه لم يؤكد على شيء تأكيده على تقوى الله ، كما يلحظ ذلك بتكرر الأمر بالتقوى في معرض التذكير والامتنان ، ومقام الترغيب والترهيب ، وفي حال التشريع والبيان ، بل نجد التأكيد على التقوى حتى في أدق المواقف وأحرجها وذلك عندما يحمى وطيس الحرب ويشب ضرامها وتمتد ألسنة سعيرها لتبيد الأخضر واليابس وتهلك الحرث والنسل وهو موقف ما كان يعرف فيه إلا فقدان التوازن وانعدام الانضباط في التصرف ولكن الإسلام لم يرض بأن يكل الأمر فيه إلى العواطف المتأججة والحماس الثائر بل فرض على المسلم أن لا يتجاوز حدود التقوى في ذلك مهما يكن إحساسه بنشوة الانتصار أو خشيته من مغبة الهزيمة ، فقد قال تعالى : ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190) ﴾ إلى أن قال: { وَاتَّقُواْ اللّهَ