الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣لمخلوقات المنبثة من حوله وتسخيرها لمصلحته سواء كانت من جنس الحيوان أو النبات أو الجماد، فهو وحده الذي أطلقت يده في منافع الأرض وما فيها وما عليها، بينما انتفاع غيره انتفاع نسب محدود جداً إذا قورن بانتفاع الإنسان، وقد ترجم القرآن الكريم ذلك في قوله عز من قائل: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ .)[3]( كما يظهر أثر هذا الاستخلاف أيضاً في هذه المكانة الرفيعة التي برأ الله الإنسان فيها، ورفعه إليها وامتنَّ بها عليه في قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ .)[4]( ومن الطيبات البارزة لهذا التكريم هذه الطاقة الهائلة التي مكنت الإنسان من تطوره وتطوير حياته بحيث صار يبتكر الوسائل ويستنبط الأسباب لجعل حياته أعلى رقياً وأكثر ازدهاراً وأوسع رفاهية، ولاختصار الزمن في قضاء حاجاته وبلوغ مراميه، فقد شهد العالم البشري –عبر امتداده- تطوراً هائلاً في حياة الإنسان الاجتماعية والثقافية والصناعية غيَّر كثيراً من معالم الحياة، وبدَّل جانباً لا يُستهان به من مظاهرها.
ولئن كان التكليف بقدر التشريف، فإن كاهل الإنسان مثقل بالواجبات المتنوعة، كيف وقد جعله الله سيداً في الأرض بل قطباً في الكون كما يشهد له تسخير منافع هذا الكون من أجله ﴿ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ﴾ .)[5]( فلا غرو إذا كان معقد التكليف الشرعي والمستهدف بخطاب الله تعالى وفي وحيه المحمَّل أوزار أمانته من بين خلقه، ومن أجل هذا كانت ذمة الإنسان مشغولة بأنواع شتى من الحقوق، منها ما هو لربه الذي خلقه، ومنها ما هو لبني جنسه، ومنها ما هو لمخلوقات أخرى.
ومن حيث إن الإنسان موضع تكريم الله تعالى كان حقه على أخيه الإنسان أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى وآكدها وأولاها بالعناية دراسة وأداء.