الحقوق في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٣١

ولا شك أن الإنسان بتشريف الله إياه كائن له خصائصه الفطرية التي تؤهله للقيام بهذه الوظيفة وترتفع به إلى مستوى هذا التكريم، فإن من المستحيل أن تتجاوز أفعال حدود الله حكمته الربانية، أو أن ينسب إليه سبحانه شيء من العبث، فهو العليم بكل شيء، ولذلك يضع كل شيء من خلقه في موضعه المناسب، ﴿ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ﴾ .)[117](

والناس –وإن اشتركوا في الخصائص البشرية العامة- حظوظهم متفاوتة في المواهب الفطرية والكسبية سواء الظاهرة منها والباطنة، وما هذا التفاوت إلا مظهر من مظاهر استخلافهم في الأرض تتجلى فيه حكمة الله - عز وجل - ، فإن تكاليف الاستخلاف لا يقوم بها فرج أو أفراد بل الجنس البشري يحمل أوزار مسؤوليتها كل في حدود هباته الفطرية والكسبية وملكاته الظاهرة والباطنة، وتفاوت الناس في هذه الهبات والملكات يجعل كلاً منهم بحاجة إلى غيره ليستكمل به ما نقص عنده، فلا يستقل أحدهم بشؤونه عن الآخرين، وناهيكم أن علية الناس لا يمكنها أن تستغني عن سوقتهم، بل كلما كان الإنسان أمكن في الاستخلاف والتمكين كان أشد افتقاراً إلى غيره، فالحكام مثلاً هم أحوج ما يكونون إلى جميع طبقات الناس، فهم بحاجة إلى الوزراء والمستشارين، والولاة والقضاة والقادة والجند، والمهندسين والأطباء، والمفكرين والعلماء، والتجار والفلاحين، والطباخين والخدم، وأصحاب جميع الحرف، وأرباب جميع المهن وجميع أصحاب الخبرات على اختلافها، وما هذه الحاجة التي طبع الله عليها العباد ووسم بها جميع الناس إلا مظهر مدنية الإنسان، فلو أن الناس استغنى بعضهم عن بعض لعاد كل منهم يعدو وحده في مضماره غير لاوٍ على غيره ولا ملتفت إلى حاجة من عداه، وبهذا تتفكك الروابط وتتقطع الصلات وينحسر الوئام، وينعدم الانسجام، ولا يبقى للمدنية أثر، ولا للاجتماع ذكر.

٣١ / ٧٣