الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣٢وبجانب هذا فإن في هذه الحاجة الملحة من أي أحد إلى بني جنسه تذكير للناس بصفة العبودية التي هم فيها متساوون، وأنه مهما أوتي أحدهم في هذه الحياة من أسباب القوة وعوامل التمكين لا يعدو أن يكون عبداً ضعيفاً بين يدي الله خالق السماوات والأرض الذي لا تستغني عنه ذرة في الوجود، وفي هذا كبح لجماح الإنسان حدٌّ عن غروره، وإلجام له عن الطغيان ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ .)[118](
وإذا كان الناس متفاوتة مواهبهم متباينة مداركهم بحسب ما يتلبسون به من أحوال ويحيط بهم من ظروف، وبحسب تفاوتهم في تكوينهم الفطري، فإن لكل منهم خبرة في مجاله الخاص لا تكون لغيره من ذوي الخبرات في المجالات الأخرى، والحكم في الإسلام نظام عادل تنخرط فيه جميع أوضاع البشر، وقلعة حصينة تحتمي بها حقوق الإنسان من الضياع، وحرز تصان به كرامته عن التلاشي فهو ليس تسلطاً من الغالب على المغلوب، ولا تعالياً من القوى على الضعيف، وإنما هو تعاون على الحق وتآزر على الخير فهو من ناحية قيام بحق الله رب الأرض والمساء وتنفيذ لأمره الحق، وتطبيق لمنهجه العدل، ومن ناحية أخرى تعاون بين العباد على ما يوصل إلى هذه الغاية الكريمة، ويبلغ إلى هذا الهدف الأسمى، لذلك كان الحكم في الإسلام مبنياً على قاعدتين محكمتين لا تستقل إحداهما عن الأخرى، وهي شريعة الله العادلة وشورى الجماعة المسلمة، أما قيامه على شريعة الله فمن حيث إنه تنفيذ لأمره وتطبيق لحكمه، وأما قيامه على الشورى بين جماعة المسلمين، فمن أجل تعاونهم من خلال ما لهم من خبرات، كل في مجاله، على القيام بهذا الواجب وتحقيق هذه الغاية التي ينعم في وارف ظلها الإنسان بكرامة الدنيا وسلامة الدين، وتلك هي الغاية المثلى في شريعة الله الغراء.