الحقوق في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٣٣

بهذا يظهر أن الشورى مبدأ إنساني أصيل يرتفع بالإنسان إلى مستوى المسؤولية التي يقتضيها استخلافه في الأرض، فإن هذا التشريف –أي شرف الاستخلاف- ليس حكراً على طبقة بعينها أو وقفاً على فئة من الناس، وإنما هو قاسم مشترك بين فئات البشر جميعها على اختلاف طبقاتها وتنوع مواهبها وتباين اتجاهاتها بحسب تخصصاتها العلمية أو اختصاصاتها العملية، سواء كانت مدنية أم عسكرية فإن كلاً يؤدي دوره الذي هيأه له القدر الإلهي في الإطار العام لهذا الاستخلاف.

وإذا كان الإنسان بهذا القدر من العناية الإلهية والتكريم الرباني فإنه حري به أن لا يذهب بكرامته وحقه في تأطير السياسة الشرعية التي تحكمه استبداد فردي في الحكم على أن الاستبداد في الحكم يترتب عليه من الفساد السياسي والاجتماعي ما يكاد يفوق الفساد الذي يترتب على الاستبداد بثروات الأمة المالية، ولئن كان الإسلام عالج هذا الفساد المالي بما وضعه من الضوابط والقيود على اكتساب المال وإنفاقه وما فرضه من التكاليف في المال على ذوي اليسر والجدة، فلا غرو إذا عالج المشكلة الكبرى وهي مشكلة الحكم التي يترتب عليها استقامة أوضاع الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية أو انحرافها بما يقصر استبداد الحاكم بالنظام العادل القائم على شورى الجماعة المسلمة التي توزع المسؤوليات بين الحاكم والرعية، وتجعل صلة الحاكم بالمحكومين صلة إنسانية قبل أن تكون صلة سياسية، وتجعل السياسية تعاوناً بين الحاكم والمحكومين يترتب عليه الإخلاص والانسجام والنصح في السريرة والعلانية، ويسكن العواطف ويهدئ الثورات، فينعم الكل بنعمة الاستقرار والطمأنينة والحرية والعدل.

والشورى ليست دليلاً على نقصان عقل المستشير، بل هي أدلة على وفور عقله، فإنها تنم عن إدراكه لطبيعة البشر وفهمه لضرورات الحياة، وتأهله لتحمل أعباء المسؤولية، وقد أجاد من قال:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن

٣٣ / ٧٣