الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣٤ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
برأي لبيب أو مشورة حازم
فإن الخوافي قوة للقوادم
وأحسن العلامة ابن العربي في قوله: «الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب»)[119](، وحكي عن بعض العقلاء أنه قال:
«ما أخطأت قط، إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون فإن أصبت فهم المصيبون وإن إخطأت فهم المخطئون»)[120](، وروي عن آخر «ما غبنت قط حتى يغبن قومي، قيل وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم»)[121](.
ولا تتوقف الشورى على قيام الدولة الإسلامية، بل هي من سمات جماعة المسلمين البارزة ولو لم يكن لها دولة، فقد وصف الله المؤمنين في سورة الشورى المكية بقوله: ﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾ .)[122]( ولم تقم يومئذ للمسلمين دولة ولا نظام اجتماعي يجمع شتاتهم وينتظم أفرادهم، بل كانوا آنذاك أفراداً متناثرين في المجتمع المكي الجاهلي، تغمرهم الكثرة الكاثرة من أمة الشرك التي تقدس الأوثان وتنبذ التوحيد، قال المفكر الإسلامي الأستاذ الشهيد سيد قطب: «وهنا وفي هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها، ومع أن هذه الآيات مكية نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة ﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾ مما يوحي أن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاماً سياسياً للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها يقوم عليه أمرها كجماعة ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة بوصفها إفرازاً طبيعياً للجماعة»)[123](.