الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣٥وقال أيضاً: «والتعبير يجعل أمرهم كله شورى ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة، وهو كما قلنا نص مكي كان قبل قيام الدولة الإسلامية، فهذا الطابع إذاً أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامي في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد، والواقع أن الدولة الإسلامية ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية، ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكراً، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة شؤون الحكم فيه، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة للقيادة البشرية، وهي من ألزم صفات القيادة»)[124](.
وقد كان الرائد الأول لهذه الأمة في تطبيق هذه السياسة الحكيمة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع وفور عقله وتوقد بصيرته وصفاء سريرته وتفوقه على جميع الخلق في ذلك، ومع كونه يتلقى الوحي من الله - عز وجل - ، ولم يكن تطبيقه لنظام الشورى أمراً ناشئاً عن اجتهاده في السياسة البشرية وتكيفه مع ما تقتضيه ظروفها المتقلبة، وإنما كان امتثالاً لتوجيه رباني وقياماً بواجب فرضه عليه الله حيث قال له: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ .)[125](
روى ابن جرير عن قتادة أنه قال: «أمر الله - عز وجل - نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده»، وروي عن الضحاك بن محازم أنه قال: «ما أمر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل، وعن الحسن: «ما شاور قوم قط إلا هُدوا لأرشد أمورهم»)[126](.