الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣٦قال الإمام أطفيش: «وحكمة المشاورة الاستعانة برأيهم، إذا ظهر له الصلاح في الترك، وظهور نصح من ينصحه، ومعرفة مقادير عقولهم وأفهامهم، وتطبيب نفوسهم وجلبهم، وأنه يشق على سادات العرب أن لا يشاوروا، وأن تقتدي الأمة به في الشورى فيظفروا بالرأي الصالح»)[127](.
ومن المعلوم أن قوله تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - إثر غزوة أحد التي نكب فيها المسلمون بهزة عنيفة صرعت سبعين شهيداً من أبطالهم، نتيجة بعض الأخطاء التي ارتكبوها، من بينها موقفهم المتحمس للخروج عن المدينة إلى ملاقاة العدو الغازي خارجها، وكان رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - تنازل عن رأيه إلى رأيهم تطبيقاً لنظام الشورى، ومع ما انكشف من خطأ الرأي الذي ذهبوا إليه أمر عليه الصلاة والسلام بأن لا يترك مشاورتهم بل يستمر عليها كما كان من قبل، لتكون في ذلك أسوة حسنة لأمته من بعده، يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب: «لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة، فقد كان من جرأتها ظاهرياً وقوع خلل في وحدة الصف المسلم، اختلفت الآراء فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه على أفواه الأزقة، وتحمست مجموعة أخرى فأت الخروج للقاء المشركين، وكان من جراء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف، إذ عاد عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الجيش والعدو على الأبواب وهو حدث ضخم وخلل مخيف، كذلك بدا أن الخطط التي نفذت لم تكن في ظاهرها أسلم الخطط من الناحية العسكرية، إذ أنها كانت مخالفة للسوابق في الدفاع عن المدينة -كما قال عبدالله بن أبي -وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية فبقوا فعلاً في المدينة وأقاموا الخندق ولم يخرجوا للقاء العدو منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهل النتائج