الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٤٨الغاية من مشروعية الشورى إعطاء الإنسانية حقها وتربية الأمة على حرية الرأي، وكرامة النفس، وتحمل المسؤوليات في عواقب الأمور التي تطرح عليها للنظر فيها، وهذا من أجل أن تكون أمة قوية عارفة بما تأتي وما تذر، مقدرة للأمور حق قدرها، متلاحمة بين أفرادها، لا تلين قناتها ولا تتفتت حصاتها، تعرف كيف ترد وتصدر، وتأخذ وتعطي، ولئن كانت هذه في الغاية من مشروعية الشورى فإن المطلوب إقامة نظام يحقق هذا الهدف، ولا عبرة بموازين الشرع باختلاف الوسائل ما دامت تفضي إلى هذه الغاية، وكانت وسائل نظيفة صافية غير ملطخة بفساد ولا مشوبة بكدر، ومن هنا لم يحدد الإسلام صيغة معينة للمشورة بين الحاكم والمحكومين، ولا غرو فإن الإسلام نظام إلهي يشمل جميع الأطوار البشرية ولا يتقيد بفترة زمنية ولا مسافة مكانية بل يسع كل زمان ومكان، وما يحدث في أي زمان وأي مكان من اختلاف الأوضاع وتطور الأحوال التي يمر بها البشر تتباين الظروف التي تتيح فرص اللقاء أو التفاهم بين الحاكم والرعية، فلابد من أن يراعي الفروق التي تتلبس بها البيئات الحضارية حسب اختلاف العصور، فشتان بين ظروف عصر يتوقف فيه تنقل الإنسان من مكان إلى آخر على وسائل بطيئة بدائية من مشي على الأقدام، أو ركوب على ظهور الدواب، أو على ألواح البحر التي تتدافعها الرياح، فتسير بها تارة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف، ويتنقل فيها نقل الخبر من مكان إلى آخر على انتقال الإنسان عبر هذه الوسائل، وبينما نشهده اليوم من تقارب المسافات بين أرجاء الأرض حتى إن الإنسان يمكنه أن يدور على الكرة الأرضية ويعود إلى حيث بدأ انطلاقته في ظرف أيام لا تتجاوز أصابع اليد، ويمكنه أن يتصل بأرجاء العالم شرقاً وغرباً فيكلم من شاء أو يستجلب ما شاء من الوثائق عبر التصوير بالآلات المتطورة وهو في غرفة نومه لم يبرحها، بل يمكنه ذلك من غير أن ينتقل عن كرسيه أو سريره، كأنما زويت له الأرض من أطرافها، فصارت