الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥١أولاً: «إن هذا الأمر يختلف باختلاف الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان، وكانت تلك المدة القليلة التي عاشها - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة مبدأ دخول الناس في دين الله أفواجاً، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن هذا الأمر سينمو ويزيد، وأن الله سيفتح لأمته الممالك ويخضع لها الأمم وقد بشرها بذلك، فكل هذا كان مانعاً من وضع قاعدة للشورى تصلح للأمة الإسلامية في عام الفتح، ومن بعده حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي العصر يتلو عصره، إذ تفتح الممالك الواسعة وتدخل الشعوب التي سبقت لها المدنية في الإسلام أو في سلطان الإسلام، إذ لا يمكن أن تكون قواعد الموافقة لذلك الزمن صالحة لكل زمن، والمنطبقة على حال العرب في سذاجتهم، منطبقة على حالهم بعد ذلك وعلى حال غيرهم، فكان الأحكم أن يترك - صلى الله عليه وسلم - وضع قواعد الشورى للأمة، تضع منها في كل حال ما يليق بها بالشورى»)[153](.
ثانياً: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو وضع قواعد للشورى بحسب حاجة ذلك الزمن لاتخذها المسلمون ديناً وحاول العمل بها في كل زمان ومكان»)[154](.
ثالثاً: «أنه لو وضع تلك القواعد من عند نفسه لكان غير عامل للشورى، وذلك محال في حقه، لأنه معصوم من مخالفة أمر الله، ولو وضعها في مشاورة من معه من المسلمين لقرر فيها رأي الأكثرين منهم، كما فعل في الخروج إلى أحد، وقد تقدم أن رأي الأكثرين كان خطأ، ومخالفة لرأيه - صلى الله عليه وسلم - فهل يرضى - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم أمثال ذلك القوم ومن دونهم كأكثر من دخل الإسلام بعد الفتح في وصول الحكومة الإسلامية وقواعدها؟ أليس تركها للأمة تقرر في كل زمان ما يؤهلها له استعدادها هو الأحكم)[155](.