العائدة إلى الله لعبد الله القنوبي
الجزء ١ · صفحة ١٨وهكذا لم تكن هذه الفتاة العائدة إلى الله، لتترك النور بعد أن اكتحلت به عيناها، ولم تكن لتتنكب طريق الهدى بعد أن هُديت إليه، ولم تكن لتتخلى عن الإيمان بعد أن ذاقت حلاوته، فكانت تعيش في بيت جدها، وتطلب من عمها أن يحضر هناك لتواصل مشوار حفظها لكتاب الله.
الإيمان يفعل المعجزات
كانت تريد أن تحفظ القرآن الكريم وتفسير آياته في أقرب وقت، لذلك كرَّست كل جهودها لتحقيق أمنيتها، لكأنما تخشى أن يتخطفها الموت بين حين وآخر،وهي لم تحقق أمنيتها الغالية .
لذلك لم تُعرف هذه الفتاة إلا في محراب صلاتها، قائمة تصلي وتبكي، ترتل القرآن ترتيلا، لم تغادر دارها إلا قليلا، بينما كانت سابقاً لا تجلس في بيتها إلا قليلا، لقد انقلبت الموازين، فشتان لعمر الحق بين الهدى والضلال، وبين حياة الصلاح والاستقامة، وحياة الغواية والضلالة .
وبالفعل استطاعت حفظ القرآن الكريم بعون الله وتأييده لها، وإمداده بلطفه ورعايته، بعد جهد جهيد، وتعبٍ مضنٍ، وسهر دائم، حفظت القرآن الكريم في مدة لم تتجاوز ثلاثة شهور، إذن لقد حققت أمنيتها الغالية، ونالت شرف حفظ كتاب الله، إنها الآن تحمل في صدرها النور والضياء، إنها تحمل الهداية والرشاد، لقد تشرب كل عضو من أعضائها بالقرآن الكريم، وسكنت آياته في الجنان، ما أسعدك أختاه عندما تحفظين كتاب الله .
وفي أثناء إقامتها في بيت جدها، كانت تقوم بأعمال خيرية، فجمعت نساء المنطقة، وبدأت تعلمهن القرآن والسنة والفقه، كانت تتمنى أن تقوم الليل إلى طلوع الفجر،ثم تكمل حتى طلوع الشمس، وتصلي الشروق دون انقطاع .
وذات يوم قالت لجدها، وهي في قمة السعادة: بأنها قد حققت مناها، وظلت مستيقظة حتى طلوع الشمس، ثم اتصلت بعمها، وطلبت منه أن يأتي مسرعاً، ويأتي معه بأهله جميعاً؛لأنها مشتاقة لرؤيتهم، وأوصتهم بأن لا يتأخروا .