العائدة إلى الله لعبد الله القنوبي
الجزء ١ · صفحة ٢٠إنه قضاء الله، ولا راد لقضاء الله، وكأن حالها يقول: لقد بلغت الغاية، وحققت أمنيتي، وتبت من ذنبي، فهداني ربي، ومنَّ علي بحفظ كتاب الله، فقد آن لي أن ألحق بالركب الميمون، آن لي أن ألحق بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، آن لي أن أفارق هذه الدنيا الزائفة، التي حادت بي عن شاطئ السلامة، وكادت أن تهلكني، لولا أن تداركتني رحمة الله، آن لي أن أقول كما قال يوسف عليه السلام ( فاطرَ السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين )(1) .
وعندما علم الجميع بوفاتها بكوا عليها بكاء شديداً حاراً، حتى ارتفع نشيجهم، واتصل العم بأبيها ليعجلوا دفنها، وعندما أتوا لكي ينزعوا المصحف من بين يديها، لم يستطيعوا ذلك إلا بعد جهد جهيد، لأنها عشقت القرآن، فضمته إلى صدرها ضم المحبوب إلى حبيبه .
من علامات قبول التوبة
ولما أخذوها للتغسيل، قامت زوج عمها وبناته بتغسيلها رغم عدم درايتهن وعلمهن بغسل الميت، وأحست ابنة عمها أن هناك الكثير من الأشخاص يساعدونهن .
وكان الكفن جاهزاً معداً، لكنهم لم يجدوه عندما طلبوه، وإذا بكفن آخر موضوع في ركن المنزل، لا يعلمون مصدره، وبه رائحة عطرة.
وبعد وضعها في الجنازة، جاء ستة نفر عليهم ثياب خضر، طوال القامة، تقدموا لأخذ الجنازة، ثم صلوا عليها، وكان في مقدمة الصف جدها وأعمامها وأبوها وإخوانها، وبقية الصف يصف به رجال آخرون، يلبسون ثياباً خضرأ .
وبعدما فرغوا من الصلاة عليها، قام الأشخاص الستة بحمل الجنازة إلى المقبرة، ثم أنزلوها ولحدوها، ثم حثوا عليها التراب، ودعوا لها، وبعد ذلك لم يجدوا لهم أثراً، وفي حينها تذكروا أن الأشخاص كانوا غرباء، وأن القبر كان قد حفر سابقاً .
فقد رحلت فتاتنا، وذهل الجميع من رحيلها ، فتاة لم تصل أعتاب العشرين من عمرها، يختطفها الموت بعد أن أبصرت نور الحق .
(1) سورة يوسف / 101