العدل والشورى في الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٢ومن شأن الله-تبارك وتعالى-أن جعل حياة الناس حياة تقوم على الاجتماع، ولا تقوم على الاستبداد واستقلال كل أحد بشأنه، فالناس لابد لهم من تعاون فيما بينهم حتى تنتظم أمورهم، فكما ترون جعل الله-تبارك وتعالى-كل أحد من الناس بحاجة إلى بني جنسه بحيث لا يستقل بمصالحه بنفسه سواء في ذلك القوي أو الضعيف والغني أو الفقير والحاكم أو المحكوم والمالك أو المملوك، فكل أحد بحاجة إلى جميع بني جنسه .. كل من انتمى إلى طبقة من طبقات الناس هو بحاجة لا إلى طبقته فحسب بل هو بحاجة إلى جميع تلك الطبقات، وذلك لأنّ الله - سبحانه وتعالى - أراد للعباد أن يكونوا أهل تآلف ووئام وانسجام، فلو أنّ الناس استقل كل أحد منهم بمصالحه لأدى بذلك إلى انحلال الوشائج التي تشد بعضهم إلى بعض وأدى ذلك إلى انحسار الوئام فيما بينهم وكانت القطيعة بدلا من الصلة التي تربطهم، وبجانب هذه الحكمة البالغة ففي ذلك-أيضا-إيقاظ لأحاسيس هؤلاء الناس بأنهم فقراء وأنّ الله-تبارك وتعالى- وحده هو الغني، فلذلك لم يكن أحد من الناس يستقل بمصالحه بنفسه لأجل أن يعرف بذلك فقره وحاجته، والله-تبارك وتعالى-وحده هو الغني عن عباده.
وإذا كان الناس متفاوتين تفاوتا ظاهرا فيما أوتوه من ملكات سواء كانت هذه الملكات فطرية أم كانت كسبية وفيما أوتوه من المواهب سواء كانت ظاهرة أم كانت باطنة فإنّ ذلك مما يَعكِس ظِلالا على آرائهم وتجاربهم وخبراتهم، فالناس متفاوتون في خبراتهم بحسب تفاوتهم في ملَكاتهم وفي مواهبهم التي أوتوها من قِبَل الله - سبحانه وتعالى - وهذا بطبيعة الحال مما يؤدي إلى التفاوت بحيث يُتقِن كل أحد ما لا يُتقِنه الآخر ويَفهم هذا ما لا يَفهمه ذلك، فكل واحد منهم يكون-إذن-بحاجة إلى أن يستشير غيره ليجمع خبرته إلى خبرته وليشد رأيه برأيه، فلذلك وصف الله-تبارك وتعالى-المؤمنين هنا بأنّ أمرهم شورى.