العدل والشورى في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

العدل والشورى في الإسلام لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٣

وليس في الشورى غَضاضة على أحد، فالإنسان الذي آتاه الله-تبارك وتعالى-ما آتاه من مواهب ومن حَصَافة الرأي واتقاد البصيرة وصفاء السريرة إن استشار من هو دونه لم يكن في ذلك غضاضة عليه، وقد أجاد الشاعر الذي قال:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … برأي لبيب أو مشورة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … فإنّ الخوافي قوة للقوادم

وقد كان بعض الناس يقول: " ما أخطأتُ قط " قيل له: " وكيف ذلك ؟ " قال: " ما حَزَبَني أمر إلا استشرتُ فيه قومي فعملتُ برأيهم فإن كان خطأ فهم المخطؤون وإن كان صوابا فهم المصيبون ".

والشورى-كما يقول ابن العربي-مسبارٌ للعقول وألفة بين الناس وسبب إلى الصواب، فإنّ الشورى تتجلى بها عقول الناس بحيث يؤدي كل واحد رأيه بحسب ما يتجلى له وما يصل إليه فهمه، وألفة بين الناس لأنّ الناس عندما يتشاورون تتآلف قلوبهم ويعطف بعضهم على بعض، وفي نفس الوقت سبب إلى الصواب فإنّ الشورى يُتوصَّل بها إلى معرفة الرأي الصائب فرأي الأكثرين في الغالب يكون هو الصواب عندما يَختلِفون في شيء لم يأت فيه نص قرآني ولم يأت فيه نص من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي هذا يقول شاعر النيل:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به … رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

ومما يدل على أنّ الشورى ليس فيها غضاضة وعلى أنها لا تدل بحال من الأحوال على أنّ المستشير هو أَدْوَن رأيا وأنه أقل إدراكا للحقائق أنّ الله-تعالى-أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي يوحى إليه من عند ربه - سبحانه وتعالى - فضلا عن كونه - صلى الله عليه وسلم - أوفر البشر جميعا عقلا وأحصَفهم رأيا وأعلاهم هِمّة وأعظمهم شأنا وأَخبَرَهم بالأمور ظاهرها وباطنها ومع هذا كله فإنّ الله-تبارك وتعالى-يقول له - صلى الله عليه وسلم - : ﴿ … وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر … ﴾ [ سورة آل عمران، من الآية: 159 ].

١٣ / ٤٣