العدل والشورى في الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٩كذلك نجد هناك حديثا آخر جاء غير مقيَّد بكون الرعية من المسلمين، فقد جاء في هذا الحديث: ( ما من عبد يسترعيه الله رعيّة ثم لا يَحوطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة ) فمن ولي رعيّة أيّ رعية كانت ولم يَحطها بالنصح الذي فرضه الله-تعالى-عليه فإنّ جزاءه ألاّ يريح رائحة الجنة، ولا يقال بأنّ هذا الإطلاق هنا مقيَّد بذلك القيد الذي جاء في الحديث الآخر-بناء على القاعدة المشهورة عند الأصوليين من أنّ المطلَق يُحمل على المقيَّد-وأنّ غيرَ المسلمين لا يكون لهم حق النصح كما هو مفروض للمسلمين لأنّ هذا التقييد إنما هو-كما تعلمون-من باب الأخذ بالمفهوم والمفهوم يُصار إلى الأخذ به عندما يكون المنطوق غير وارد مورد الأغلب المعتاد، ومن المعلوم أنّ الناس في ذلك الوقت الذي كانت الجزيرة العربية فيه واقعة تحت حكم الإسلام بحيث كانت راية الدولة الإسلامية ترفرف على أجزاء الجزيرة العربية وكان كل وال يبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعثه إلى المسلمين اللهم إلا أن تكون هنالك طائفة قليلة من أهل الذِّمَّة فلذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا، ومما يدل على أنّ هذا الحكم على إطلاقه ما جاء من آيات الكتاب العزيز دالا على أنّ العدل مبدأ عام لا فرق فيه بين مسلم وغيره فعلى المسلم أن يعدل بين المسلم وغير المسلم، كما هو في قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ … ﴾ [ سورة النساء، من الآية: 58 ] فإذن الحكم بين جميع الناس إنما يجب أن يكون بالعدل، فالظلم يُرفع عن المسلم وغير المسلم بحسب شريعة الله تبارك وتعالى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيّته ) فكل راع هو مسؤول عن رعيّته سواء كانت هذه الرعيّة على حق أو كانت على باطل.