الصبر أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الصبر

الجزء ١ · صفحة ١٣

يُحكى من أجل التسلي ومن أجل أن يكون متعة للنفس وإنما حكي من أجل العبرة " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ".

وفيما دُون من تراجم السلف الصالح ما يدل على ما كانوا يلقونه من أذى وما كانوا يواجهونه من تحديات وما كانوا يتعرضون له من شدائد، ولكنهم مع ذلك صبروا. في عهد الحجاج أخذ أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمامة بن السائب رحمهما الله وأودعهما السجن وأطال سجنهما حتى كانا يجزان شاربهما بأسنانهما، ومع ذلك كله كانا صابرين، ومن أجل التفنن في الأذى إستشار الحجاج مجوسيا في إطعامهما طعاما يعذبهما ولا يقضي على حياتهما فأشار إليه بأن يطعمهما الزيت والكرّاث، وبقي ذلك طعامهما، وهو وإن كان طعاما مفيدا للجسم والمجوسي لم يسئ إليهما في هذه الإشارة إلا أنه طعام غير مألوف ومن عادة النفس ألا تميل إلى ما لا يؤلف من الطعام، ثم بجانب ذلك هو طعام واحد لا يتبدل، والطعام المألوف عندما يكون طعاما واحدا ويطول عليه أمد الإنسان فإنه ينفر منه بطبعه ويتمنى الانتقال عنه إلى غيره، فكيف بما لم يكن مألوفا ! ومع هذا كله ظلا صابرين وربما ضاق ضمام في بعض الأحوال ذرعا من هذه المعاملة القاسية وهذه الشدة الجائرة، فكان أبو عبيدة يقول له: على من تضيق يا ضمام؟! تذكيرا له بأن ذلك إنما هو من ابتلاء الله سبحانه وعلى الإنسان أن يصبر على ما ابتلاه الله تبارك وتعالى به. وكان من بين أئمة أهل الحق من عُذب في حياته ثم دُفن حيا وهو مع ذلك صابر مصطبر ومحتسب أجره عند الله تبارك وتعالى غير لاو على شيء من ذلك في سبيل الطريق التي رسمها لنفسه وهي الطريق المؤدية إلى إبلاغ دعوة الله تعالى في هذه الدنيا وإلى الوصول إلى الفوز في الدار الآخرة.

١٣ / ١٦