الصبر
الجزء ١ · صفحة ٣والله سبحانه وتعالى فيما سمعناه من الآيات الكريمة أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر الصابرين " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون * "، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم هنا أن يبشر الصابرين ولم يذكر المبشر به وذلك لعظم الأمر المبشر به، فإن الصابرين يفوزون بخير الدنيا والآخرة؛ ومن أولئك الصابرون؟ إنهم الذين لا يتضجرون ولا يتأففون عندما تنزل بهم نازلة أو تحل بهم مصيبة أو تقع عليهم كارثة، ذلك لأنهم يعلمون أن الخلق لله سبحانه فلذلك يوقظون الضمير النائم في أعماق نفوسهم بقولهم: ( إنا لله وإنا إليه راجعون )، فما نحن إلا ملك لله سبحانه وتعالى لأننا عباد لله، والله هو خالقنا وهو رازقنا وهو المنعم علينا، فعندما يسترد منا شيئا فإنما يسترد ملكه ليس لنا من الأمر شيء، ونحن وإن وصل إلينا ما وصل من خير من مال وبنين وغير ذلك فإنما تلك عارية مستردة، وعلينا أن نوطن أنفسنا لحالة استردادها وأن نشعر أنفسنا بعظم المنة من الله سبحانه وتعالى علينا عندما وهبنا إياها، وأن نشعر أنفسنا بأنه سبحانه وتعالى جدير بأن يسترد عاريته التي أعارنا إياها في أي وقت من الأوقات من غير أن نشعر بضجر ومن غير أن نشعر بحسرة، ومن غير أن نشعر بملل، فنحن جميعا ملك الله ورجوعنا إلى الله سبحانه وتعالى، فمنه المبدأ وإليه الرجعى لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ولا تبديل لكلماته " إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ".
وهذه الجملة وهي ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) مما اختص الله سبحانه وتعالى به هذه الأمة كما رُوي ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن يعقوب عليه السلام لو كان أوتي ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) لما تأسف على يوسف وتحسر عليه ولكن لم يمنح هذه الجملة لأن الله عز وجل جعلها من اختصاص هذه الأمة.