تربية الأولاد في ظل الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٢٢وكانت المحاضرة بأسرها تدور حول قوله " إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عباده العباد إلى عبادة الله " فإن من المعلوم أمن أولئك الفرس الذين وقعوا تحت نير الجبارين من الأكاسرة كانوا يجلون أولئك ويعظموهم ويقدسونهم ويعظمونهم تعظيما لا يليق إلا بمقام الألوهية ولا أعجب أيضا من قوله ( من جور الأديان إلى عدل الإسلام ) . فإن تلك الأديان لم تجر على أهلها إلا الجور والبلاء ، والإسلام فيه العدالة الحقة فلا فرق فيه بين قوي وضعيف ولا أعجب من قوله ( ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ) لو أقتصر على ذلك ولكن محط البحث من قوله ( ومن ضيق الدنيا إلى سعها ) فإنه ولو قال : ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة . لما كان هنالك عجب . والله تعالى يقول " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض "(1) والحديث عن النبي صلى اله عليه وسلم يقول " موضع صوت أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها" . فلا يستغرب أن يقول ربيعي بن عامر مثل هذا ولكن كيف يقول له " من ضيق الدنيا إلى سعتها مع أن أولئك العرب الفاتحين الأولين جاءوا من هذه الجزيرة العربية القاحلة الجرداء في وقت لم يكن فيه يتدفق شيئا من النفط يتفيأون(2) ظلال هذا النعيم الذي يتفيأونه الآن في ذلك الوقت . إنما كان العربي يخرج من جزيرة العرب إلا ماشيا على قدميه حافيتين وربما راكب على ظهر ناقته ليقطع هذه المسافات الطويلة تحت لفح الشمس اللاهب . وكان يفترس هذه الغبراء ويلتحق للخضراء ويتوسد الحجر فكيف بجانب ذلك النظر إلى الغرس الذين كانوا يعيشون في الترف وفي النعيم في القصور الشامخة وفي الحدائق الغناء وبين الأنهار المطرده وأمامهم الجواري الحسان هذه النظرة وأعتبرهم بأنهم يعيشون في ضيق وأنهم حريون بأن يخرجوا من هذا الضيق فأجاب عن ذلك بعدما تبين قيمة هذه الكلمات .