أ 118 تصحيح مفاهيم خاطئة
الجزء ١ · صفحة ٦وكذلك تحدث العلامة الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن ذينك العهدين وقال ما معناه: «بأن الحياة كلها كانت في ذينك العهدين تدور حول شخص واحد، وهو الشخص الملقب بالخليفة أو الحاكم، فقد كان من أجله يزرع الفلاح، ويكدح الكادح، ويتعب الإنسان، وينثر الناثر، ويشعر الشاعر» ثم قال: «بأنّ ذلك العهد لا يمثل الإسلام في شيء، وما كان في حكم الإسلام جديرا بأن يبقى يوما واحدة». ولكن هل سلم المسلمون من هذه الفتنة؟ هل بعدوا
عن مخاطر هذا الأمر الذي وصل إليه الحكم في ذلك الوقت؟ المصيبة الكبرى أنّ من المسلمين من أخذ يبرر كل ما كان يجرى في ذينك العهدين، وهذا بسبب ما ذكرناه من انقلاب المقاييس، وتغير المفاهيم، وتبدّل الموازين، فقد صار الحق باطلاً، والباطل حقاً، وحاول كثير من العلماء أن
يبرروا كثير من تلك الانحرافات، ففي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن تشبه الرجال بالنساء والتصريح بحرمة الحرير والذهب على الرجال، ولكن وُجِدت فتاوى في تلك العهود تبرر للحكام وبطانتهم، أن يلبسوا الحرير والذهب، لأجل أنهم يلقون قادة الكفار فينبغي أن يظهروا أمامهم بالمظهر اللائق. ومما يُأسف له كثيرا في أن نجد من بين علماء عصرنا من يؤلف كتابا في
وقتنا هذا ليبرر تلك الفتاوى، وليجد لها مساغاً في الشرع، وقد غفل أولئك بأن عزّة المسلم ليست في لباسه، وإنما عزته في إيمانه، وإلا فقد كانت عزّة المسلمين في عهد عمر -رضي الله عنه- عندما كان يلبس المرقعة ويهتز إيوان كسرى من ذكره:
يا من رأى عمراً تكسوه بردته.:.:. يهتز كسرى على كرسيه فرقاً
والزيت أدم له والكوخ مأواه.:.:. من بأسه وملوك الروم تخشاه
فما كانت المرقعة تضير أمير المؤمنين شيئا، ولم تنقص قدره عند أولئك الأباطرة، بل كان أولئك الأباطرة يَحنون له ظهورهم، ويطأطئون له رؤوسهم،