حقوق الوالدين في الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٢٣هذه الأحوال تُقاسُ كلُّها بِحسْب المصالِح التي تُقدَّرُ بِأقدارِها، فإنّ عاطفةَ الوالِدَيْن أحيانا قد تُؤدِّي بِالولَد إلى الضرر مِن حيثُ لا يَدْرِيَان .. قد يَمنعانِه مِن الكسْب رغبةً في بقائِه بِجوارِهما، فلا يَسمحانِ له بِالخروج مِن أجْل كسبِ الرزق مع أنه قد رَكِبَه الدَّيْن أو أنه قائِم بِالنفقة على عِياله بِحيث تَكَوَّنَ له عِيال أو أنه بِحاجة إلى أن يَبْنِيَ مَسْكَنا أو بِحاجة بِأن يَتزوَّج لِيُعِفَّ نفسَه وهكذا، فليس لِلوالِدَيْن هنا أن يَمنَعا ولدَهما بِمثلِ هذا التّصرُّف، ومَنعُهما هو مِن الحماقة والجهالة، فإنّ هذه العاطفة إنما تَكونُ غالِبا في الجهلة الذين لا يُفكِّرون في المُستقبَل.
كذلك إن كان الولَد بِحاجة إلى أن يَتعلَّم .. بِحاجة إلى طلَب العِلْم وقد فُتِحَتْ لَه أبوابُ العِلْم ولكنّ الوالِدَيْن يَمنعانِه مِن ذلك بِحُجّة رغبتِهما في بقائِه بِجنْبِهما مع إِمكانِ استغنائِهِما عنه .. في هذه الحالة-أيضا-لا يَنبغِي أن يَكونَا عائِقًا لَه مِن القيامِ بِطلَبِ العِلْم.
ومِثلُ ذلك القيامُ بِالمَصالِح الدينية والمَصالِح الدنيوية التي تَؤُولُ-بِطبيعة الحال-إلى مَصالِح الدِّين عندما يُحْكَمُ تَوجِيهها، فعندما يُرِيدُ الولَد القيامَ بِذلك ويَمنَعُه مِن ذلك والِدَاه لا يَلْتَفِتُ إلى هذا المَنْع وإنما عليه أن يُقنِعَهُما بِحسْب ما يُمكِنُ أن يَملِكَه مِن وسائلَ لِلإقناع، فقد تكون الدعوة بِحاجة إلى قيامِ ذلك الولَد بِها وهما لا يُرِيدانِ له القيام بِالدعوة، وأمثال هذه التصرفات التي تَكون كثيرا مِن الجهلة الحمقى الذين لا يُفرِّقون بيْن النافِع والضار، وإنما يُؤْثِرُونَ الهوى ويخلدون إلى ما يَتصوّرونَه راحةً لهم .. يُؤمَر الولَد في مثلِ هذه الحالة ألاّ يَلتفِت إلى ذلك، فإنّ المصالِح التي هي مَطلبٌ شرعي يَجِب تَقدِيمُها في مثل هذه الأمور.