حقوق الوالدين في الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٤ونَجِد عِظَمَ حقِّ الوالِدَيْن في ما وَصّى الله - سبحانه وتعالى - به في سورة الإسراء [ الآيتان: 23-24 ] عندما قال تبارك وتعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالوالِدَيْن إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ ، وذلك أنّ الله-سبحانه-وَصّى عبدَه هنا عندما يَبلُغُ والِداهُ مِن الكِبَرِ عِتِيا وتَصدُرُ منهما الجَفْوَةُ في حقِّ ولَدِهما ألاّ يُقابِل هذا الولَد هذه الجَفْوَة بِشيءٍ مِن التّضَجُّر، فإنّ بلوغَ الكِبَر مظِنّةُ صدورِ الجَفْوَة، لأنّ مِن شأنِ الكبير أن يَتَأَفَّفَ لأدنى شيء وأن يَتضجَّر مِن كلِّ ما يَلقاه ولو أَحْسَنَ الولَد مُعامَلةَ والِدَيْه في الغالِب وهما قد بَلَغَا مِن الكِبَرِ عِتِيا فإنّ حالةَ كِبَرِهما تُؤدِّي إلى أن يَتضجَّرا منه ولا يُقنِعَهما ما يَجِدانِه منه مِن معروف، فعليه في هذه الحالة أن يَصبِرَ لِذلك كلِّه وألاّ يُقابِلَ ما يَصدُر منهما مِن جفاءٍ بِجفاءٍ، وإنما عليه أن يُقابِلَ ذلك الجفاءَ بِالصبرِ والاحتمال، فليس له في هذه الحالة أن تَصدُرَ منه كلمة " أُف "، وهي كلمة تَدلّ على التّضجّر عندما يَلقى الإنسان ما يَكرَه، فعندما يَلقى هذا الولَد مِن والِدَيْه وهما قد بَلَغَا مِن الكِبَرِ عِتِيا بل وإن لم يَبلُغا مِن الكِبَرِ عِتِيا إلا أنّ الكِبَرَ-كما قلتُ-مَظنّةُ مثلِ هذه المعامَلة التي تُؤدِّي دائما إلى التّضجّر، وتُؤدِّي دائما إلى عدم الاقتناعِ بِكلِّ ما يُقدِّمُه الولَد مِن خدمة، لأنّ الإنسانَ عندما يَتقدَّم فيه العُمُر يَنتكِس، كما يقول الله - سبحانه وتعالى - : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي