حقوق الوالدين في الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦ومِن الملاحَظ أنّ القرآن الكريم لم يَعتَنِ بِمثلِ هذه العناية البالِغة بِتوصيةِ الإنسانِ بِوالِدَيْه بِالتوصية لِلوالِدِين بِالأولاد، فلم يُصدِر القرآنُ الكريم مثلَ هذه الوصايا لِلآباءِ والأمهاتِ في حقِّ أولادِهم، ذلك لأنّ الإنسانَ مَجبولٌ بِفِطْرَتِه على رِعايةِ ولَدِه، إذ نظرةُ الإنسانِ دائما تَكونُ إلى المستقبَل، فهو لا يَصرِفُ نَظرَه نَحو الوراء .. لا يَنظُر إلى الماضي، وإنما يَنظُر إلى المستقبَل، ولَمّا كانت نظرةُ الإنسانِ دائما إلى المستقبَل فإنه كثيرا ما يَكونُ مشغولا بِالنظرةِ إلى الأولاد، لأنه يَرى أنّ حياةَ أولادِه امتدادٌ لِحياتِه كما قلنا، فعندما يَنتقِل الإنسانُ إلى الدارِ الآخِرة-إلى المَوت-وتَبقى له ذُرية تَكونُ حياتُه كأنما هي مُمتدّة في حياةِ هذه الذرية، إذ يَبقى له ذِكْرٌ بِبقائها، فلذلك يَحرِص الإنسان على استمرارِ الذرية ويَكْدَحُ دائما مِن أجْل إِسعادِ هذه الذرية ويَجْبُن ويَبْخَل مِن أجل هذه الذرية، فإذن ليس الإنسان بِحاجة إلى أن يُوَصّى بِذريتِه .. إنما الذرية هي بِحاجة إلى أن تُوَصّى بِأصولِها، إذ الإنسانُ-كما قلتُ-يَحتاجُ إلى أن يُلْفَتَ إلى خلفِه لِيَنظُر في مَنبَتِه وأَصلِه، فإنه يَرى أنّ حياةَ الآباءِ والأمهات ليست حياةً له، وإنما حياةُ أولادِه هي امتدادٌ لِحياتِه، إذ الآباءُ والأمهات قَضَّوْا مَا قَضَّوْا في هذه الحياة وانتهى دَورُهم، فحياتُه هو امتدادٌ لِحياتِهِم هُم، فالوالِد عندما يَشِيخ ويَرى ولَدَه شابّا يَرى أنّ شبابَه مُمتَدٌّ في شبابِ وَلدِه، كما يقول الشاعر التّهامي:
وقلتُ شبابُ ابني شبابي وإنما
تَحوَّلَ شطْرُ العُمِر مِنِّي إلى شَطْرِي_