بيع الإقالة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٤٨الردى، فأخذوا يدافعون عن مفاسد بيع الخيار بكل ما زينه لهم الشيطان من تدليس وتلبيس ومجادلة بالباطل لإدحاض الحق، ولعمر الله لو كان الحق أنشودتهم لكفتهم هذه العبر ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ .
وليس ما ذكرته دعوى اختلقتها ونسجت بردها من خيوط الخيال، وإنما هي حقيقة واقعة وما يمنعني من التعريف بشخص المتورط المشار إليه إلا الحرص على ستر سوآت الموتى وعدم التشهير بهم، فإنهم أفضوا إلى ربهم: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ .
على أن هذه القضية لم تكن فريدة من بين قضايا التعامل ببيع الخيار بهذا الأسلوب العجيب، فثم قضايا أخرى مثلها أو قريبة منها، ومن ذلك ما نبئته عن رجل من هؤلاء المحتالين -معرفتي به عن كثب- أنه باع مزرعة له عشرين بيعة خيار لعشرين رجلا في آن واحد .
وبعد فإنه لا يبقى عند من كانت الحقيقة أنشودته مجال للارتياب في كون هذا الذي يسمونه بيع خيار ليس بيعا أصلاً، وإنما هو وسيلة لا يواريها نسيج الباطل عن بصائر أولي البصر إلى ارتكاب المحارم والارتماء في مستنقعات الربا، وأنى للحقائق أن تخفى بما يضفي عليها من نسيج الزور وقد كتب الله إظهارها وفضح المتعاملين فيها بغير حق، وما أبلغ قول الشاعر:
ثوب الرياء يشف عما تحته … فإذا التحفت به فإنك عار
ولئن لم يكن ذلك بيعاً فما هو إلا قرض، وأنتم تدرون أن كل منفعة عاجلة تترتب على القرض فهي محرمة، فقد روى الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال : "بلغني عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن الاحتكار، وعن سلف جر منفعة، وعن بيع ما ليس عندك"، وهذه الرواية وإن كانت مرسلة فإن مراسيل جابر رضي الله عنه هي حجة عند أصحابنا لثقته وأمانته وضبطه بحيث تنزه ساحته عن الرواية إلا عن العدول الثقات مع كثرة من لقيهم وروى عنهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم .