سلسلة توجيهات فكرية وتربوية واجتماعية وفقهية لبدر العبري 2 - القمع الفكري بين المدارس الإسلامية أسباب وآثار
الجزء ١ · صفحة ٢ومن أعظم الآيات المبينة لاحترام الرأي قوله – تعالى -:"لا إكراه في الدين"(1)، فالآية نص في عدم جواز الإكراه والجبر في الدخول في الإسلام، وذلك لأنّ من أهم منطلقات الإسلام الإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن، وإلا سيصبح الدين إلعوبة هذا يدخل وذاك يخرج، من هنا ذهب الكثير من الفقهاء إلى مشروعية قتل المرتد، خاصة إذا كان كافرا ثمّ أسلم؛ لأنّه لم يجبر على الدخول في الإسلام، فلا يجوز له أن يخرج منه، وعلى اعتبار مشروعية قتل المرتد فإنّ العلة من مشروعيته هو خوف التلاعب بهذا الدين كما نراه اليوم، فهذا يسخر من الذات الإلهية، وذاك يستهزئ بإركان الدين، والآخر يصف نبي الدين بأوصاف بذيئة، وعندما عطّل تشريع الحدّ بدأ هذا الفكر يعم المجتمعات المسلمة، يصدر من أناس ترعرعوا في بيئة الإسلام، والغريب أنّه ينتشر عن طريق الأدب، خاصة عن طريق الروايات الأدبية، وكذلك عن طريق الشعر الحر، أو القصيدة النثرية.
وتتجلى مظاهر حرية الرأي في القرآن في عدة نقاط رئيسة، بدورها كفيلة لأن تحافظ على استقرار المجتمع(2)،
(1) البقرة / 256.
(2) وأفضل شاهد على هذا ما قاله اليهودي المعارض أوري أفنيري في موقعه " كتلة السلام " يقول: " يسوع المسيح قال: "تعرفونهم من ثمارهم" علينا أن ننظر إلى تعامل الإسلام مع الديانات الأخرى حسب اختبار بسيط: كيف تصرفوا خلال أكثر من ألف سنة؟ بينما كانت القوة بين يديهم، وكان بمستطاعهم "نشر دينهم بقوة السيف"، هم لم يفعلوا ذلك.
لقد سيطر المسلمون في اليونان طيلة مئات السنين، هل اعتنق اليونانيون الإسلام؟ هل حاول أيّ شخص إدخالهم في الإسلام؟ على العكس، لقد شغل اليونانيون وظائف كبيرة في الحكم العثماني، كما أنّ شعوب أوروبا المختلفة مثل البلغاريين، الصرب، الرومانيين، الهنغاريين، الذين عاشوا فترات طويلة تحت حكم الأتراك، قد تشبثوا بدينهم المسيحي، إنّ أحدا لم يجبرهم على اعتناق الدين الإسلامي، وظلوا مسيحيين متدينين.
لقد أسلم الألبان وكذلك البوسنيون، ولكنّ أحدا منهم لا يدّعي بأنّهم قد أكرهوا في ذلك، لقد اعتنقوا الدين الإسلامي ليكونوا محببين إلى السلطة وليتمتعوا بخيراتها.
في عام 1099 احتل الصليبيون القدس، وذبحوا سكانها المسلمين واليهود من دون تمييز، وكانت هذه الأمور تنفذ باسم يسوع طاهر النفس، في تلك الفترة، وبعد 400 سنة من احتلال المسلمين للبلاد، كان ما زال معظم سكان البلاد من المسيحيين، طيلة كلّ تلك الفترة لم تجر أية محاولة لفرض دين محمد على السكان، بعد أن طرد الصليبيون من البلاد فقط، بدأ معظمهم بتبني اللغة العربية واعتناق الدين الإسلامي، وكان معظم هؤلاء هم أجداد الفلسطينيين في أيامنا هذه.
لم تُعرف أية محاولة لفرض دين محمد على اليهود، لقد تمتع يهود أسبانيا، تحت حكم المسلمين، بازدهار لم يسبق له مثيل في حياة اليهود حتى أيامنا هذه تقريبا، شعراء مثل يهودا هليفي كانوا يكتبون باللغة العربية، كذلك الحاخام موشيه بن ميمون (الرمبام)، كان اليهود في الأندلس المسلمة وزراء، شعراء، علماء، لقد عمل في طلطيلية المسلمة مسلمون، يهود ومسيحيون معا على ترجمة كتب الفلسفة والعلوم اليونانية القديمة، لقد كان ذلك "عصر ذهبي" بالفعل.
كيف كان لهذا أن يحدث كله، لو كان النبي محمد قد أمر أتباعه "بنشر الإيمان بقوة السيف؟
ولكن المهم هو ما حدث لاحقا، حين احتل الكاثوليكيون أسبانيا من أيدي المسلمين، فقد بسطوا فيها حكما من الإرهاب الديني، لقد وقف اليهود والمسلمون أمام خيار قاس: اعتناق المسيحية أو الموت أو الهرب، وإلى أين هرب مئات آلاف اليهود، الذين رفضوا تغيير دينهم؟ لقد استقبل معظمهم على الرحب والسعة في الدول الإسلامية، لقد استوطن "يهود الأندلس" من المغرب في الغرب وحتى العراق في الشرق، من بلغاريا (تحت حكم الأتراك آنذاك) في الشمال وحتى السودان في الجنوب، لم تتم ملاحقتهم في أيّ مكان، لم يواجهوا هناك أيّ شيء يضاهي تعذيب محاكم التفتيش، لهيب المحارق، المجازر والطرد الذي ساد في معظم الدول المسيحية حتى حدوث الكارثة.
لماذا؟ لأنّ محمدا قد منع بشكل واضح ملاحقة "أهل الكتاب"، لقد تمّ تخصيص مكانة خاصة في المجتمع الإسلامي لليهود وللمسيحيين، لم تكن هذه المكانة مساوية تماما، ولكنها كادت تكون كذلك.
كان يتوجب علهم دفع جزية خاصة، ولكنهم قد أعفوا من الجيش مقابلها، وهذه الصفقة كانت مجدية جدا لليهود، يقولون إنّ الحكام المسلمين قد عارضوا محاولات إدخال اليهود في الإسلام حتى بالوسائل اللطيفة، لأنّ هذا الأمر كان منوطا بخسارة عائداتهم من الضرائب.
كلّ يهودي مستقيم، يعرف تاريخ شعبه، لا يمكنه إلا أن يشعر بالعرفان تجاه الإسلام، الذي حمى اليهود طيلة خمسين جيلا، في الوقت الذي كان العالم المسيحي فيه يلاحقهم وحاول في العديد من المرات إجبارهم على تغيير دينهم "بالسيف".
انظر: أوري أفنيري، سيف محمد، info@gush-shalom.org.