محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥كل ذلك من باب الأخذ بالأسباب حتى لا تتواكل هذه الأمة وحتى لا تتبع الأوهام فإن لم يأخذ بالأسباب كانت نهاية أمره أن يصطدم بنواميس الحياة ، وسنن الكون ويؤدي به إلى هذا الاصطدام إلى ما لا تحمد عاقبته ، فالمؤمنون عندما فرطوا في الأخذ بالأسباب في غزوة أحد كان ما كان من أمر الله – سبحانه وتعالى – إذ عاقبهم الله - تبارك وتعالى – فأصابتهم لطمة من القدر جندلت من أبطالهم سبعين بطلا ، حتى يعرفوا أن مخالفة ما أمر الله تعالى به وما أمر رسوله – صلى الله عليه وسلم – من الأخذ بالأسباب تؤدي إلى ما لا تحمد عاقبته ، هذا بجانب عدم الاغترار بالأسباب وحدها ، فإن هؤلاء المؤمنين أنفسهم عندما أخذوا بالأسباب ورأوا في نفوسهم القوة وأصابهم شيء من الغرور بسبب هذه القوة في حنين حتى قالوا: لن نهزم اليوم من قلة . أصيبوا أيضا بما أصيبوا به ، ومعنى ذلك أن يكون الإنسان آخذا بالأسباب ومتوكلا على الله – تبارك وتعالى – الذي هو مسبب الأسباب .
ونجد أن النبي – صلوات الله وسلامه عليه – كما قلنا ، كان بنفسه حريصا على الأخذ بالأسباب من ذلك أنه عندما مرّ وراء بجدار مائل أسرع الممر ، فقيل له : أتفر من قضاء الله يا رسول الله ؟ قال : نعم أفر من قضاء الله إلى قدره .معنى فراره من قضاء الله إلى قدره ، أن كل شيء مقضي عند الله ، ولكن الله – تبارك وتعالى – جعل للأشياء أسبابا ، فهو يفر إلى القدر الذي هو نتيجة القضاء ، وهو مفهوم ما قضاه الله – تبارك وتعالى – في الأزل على من أراد أن يقع عليه ذلك الأمر فيما لا يزال ، فلإ كان وقوع الجدار عليه أمرا مقضيا في الأزل فإن ذلك القدر لا بد من أن يتحقق فيما لا يزال وإن كان غير مقضي في الأزل ، فإن ذلك القدر أيضا ، وهو قدر وقوع الجدار عليه أمر لا بد من أيقع ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم- إنما يفر إلى ما قدر الله – تبارك وتعالى – وقوعه .