محاضرة بمناسبة افتتاح مسجد الإمام ابن بركة
الجزء ١ · صفحة ٢ولا ريب أن مساجد الله سبحانه وتعالى تنظم حياة الأمة، ذلك لأن الله تعالى جعلها بيوته في أرضه روادها هم زوار لله سبحانه وتعالى يأتون إليه في بيوته بقلوب طاهرة ونفوس طامعة في رحمة ومشفقة من عذابه ،وفي هذا كما قلنا تنظيم لحياة الأمة ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم أول ما حرص عندما هاجر إلى المدينة المنورة على إنشاء بيوت الله سبحانه وتعالى هنالك ففي طريقه إلى المدينة قبل أن يرسو في مقره أسس مسجد قباء على تقوى من الله، ثم لما بركت به ناقته عند منزل أبي أيوب الأنصاري قال: ها هنا المسجد إن شاء الله، فشرع في تأسيس مسجده الذي كان مركزاً لهذه الأمة تدار من بين جنباته ومن عراصه انطلقت كتائب الجهاد إلى آفاق الأرض لتخرج الإنسانية من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الاعوجاج إلى الإستقامة. ) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(الحديد: من الآية21) .
وقد شرع الله سبحانه وتعالى ما شرع من أعظم مقدسات عبادته في هذه المساجد، وشرع أيضا صلاة الجمعة في المساجد الجامعة من أجل أن ترتقي هذه النفوس على طاعة الله، ومن أجل أن تنجلي مراياها ما عسى أن يلتصق بها مما يكدر صفوها كما هو شأن حياة البشر من خلال احتكاك بعضهم ببعض، لتكون قلوبهم قلوباً متآخية ولتتفجر مشاعر الرحمة من بين جنباته لتتعاطف حتى تكون هذه النفوس كما قال النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام :"ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".