محاضرة افتتاح مسجد الإمام ابن بركة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

محاضرة بمناسبة افتتاح مسجد الإمام ابن بركة

الجزء ١ · صفحة ٨

وهذا يعني أن يكون الإنسان في جميع أوقاته ،ولو كان في عز شبابه أو أوج صحته وقوته، مترقباً للموت، لأن الموت كما قلنا يأتي على غير ميعاد وهو لا يستهدف الضعفاء دون الأقوياء ولا الأصحاء دون المرضى ولا الشيبة دون الشباب، وإنما الكل مستهدف وهو محكوم عليه به. ولكن مع هذا لو خيل للإنسان أن الموت سيمهله حتى يعيش ما يخيل إليه أنه سيعيشه وما يتمناه وهو نحو مائة عام ،فلينظر ما الذي بقي له من هذه المائة التي يتصور أن يعيشها. فإن من بلغ عشر سنوات مضى عليه من المائة عشر سنوات وبقي له منها تسعون عاماً ،ومن مضى له عشرون سنة فإنه بقي له منها ثمانين عاماً ، ومن مضي له منها ثلاثون عاماً بقي له منها سبعون عاماً ، ومن مضي له منها أربعون عاماً يقي له منها ستون عاماً ومن مضي له منها خمسون عاماً بقي له مثلها وهكذا.

ولنقدر أن هذا الإنسان في أوج شبابه وصحته أي هو في سن العشرين مثلاً، ويخيل إليه أنه سيعيش ثمانون عاماً في المستقبل، ما هي هذه الثمانون لو فكر فيها الإنسان وأبصر؟ كيف تتسارع الأعوام وتقضي الليالي والأيام لتطوي صفحات هذه الأعوام، فإن كل مناسبة دورية تدور بدوران العام تذكر الإنسان بذلك، فليفكر الإنسان فيما بين شهر رمضان وشهر رمضان من عام قابل ،يفكر بين دخول العام ودخول شهر المحرم في العام القابل ،ويفكر في نحو شهر ربيع الأول إلى شهر ربيع الأول من العام القابل وهكذا. فإنه يرى كيف تتسارع هذه الأعوام بسرعة مذهلة تفوت حسبان الإنسان ،فجدير به إذن أن يتهيأ للقاء الله وأن يحافظ على هذا العمر.

ولئن كان عمر الإنسان كله بهذا القدر من جسامة نعمة الله تبارك وتعالى به، فإن الشباب له ميزة خاصة بين العمر، لأنه مرحلة متميزة بما فيها من القوة والفتوة وبما يكون فيها من الطموح والسعي إلى معالي الأمور. فلذلك كان جديراً بهذا الإنسان أن يعرف نعمة هذا الشباب ،ومن أجل ذلك يسأل عنه يوم القيامة سؤالاً خاصاً.

٨ / ٢٠