معالم للزمن القادم خالد بن مبارك الوهيبي

معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١٠

والعجب أن الذين ألفوا الانحناء لفرعون ظلوا فاسدين طيلة عمرهم، والقرآن يقول لنا عندما بدأ موسى – عليه السلام- دعوته للحرية وللإيمان وإلى طرح الخرافات لم يستجب له الكبار، وإنما استجاب له الشباب: ﴿ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين ﴾ يونس 83، لقد بقيت للذين كبروا في الضلال والظلم خصالهم هذه، قال الله تعالى: ﴿ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون - قال كلا إن معي ربي سيهدين ﴾ الشعراء الآيات 61-62، فالقوم مردوا على الذل، وهكذا استمر الذل في الحياة في كثير من الأجيال، إن الذل يقصم الظهور ويفسد الملكات، وهؤلاء هم الذين رفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، وفرعون قد استطاع أن يسود بأن مارس سياسة العصا والجزرة، فنجده يقسم الأمة إلى فئات، فئة يلحقها بخدمته ويغدق عليها العطايا والامتيازات وأخرى لا ينالها منه سوى التنكيل والبطش ﴿ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين ﴾ القصص 4، فكان لزاماً على الذين استضعفوا أن يتحرروا أو يبحثوا عن خلاص(1) ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين - ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ﴾ القصص 5-6.

إن قصة موسى وفرعون قد تكررت كثيراً في القرآن الكريم ولم تذكر للتسلية، وإن فيها الكثير من المنبهات والعواصم من السقوط الحضاري، حتى لا تتحول الشعوب إلى قطعان من الماشية ولا الحكام إلى فراعنة وقياصرة، ولعل القرآن الكريم قد تحدث كثيراً عن الأتباع الذين يلحقون متبوعيهم في جهنم لكي يفطم النفوس عن هذه التبعية الذليلة.

(1) كيف نتعامل مع القرآن الكريم ص 173-176 مع زيادة وتصرف، محمد الغزالي، ط المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

١٠ / ١٠٦