معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ١٣ولكن انظر إلى كثير من هذه العلوم تكاد تبتدئ وتنتهي بالأوائل من واضعيها، لقد ابتدأت الكيمياء وانتهت بجابر بن حيان، ولم يعرف عمل يوازي عطاء الخوارزمي في الجبر، ولم يتقدم علم البصريات تقدما يذكر بعد الحسن بن الهيثم، ولذلك فليس من المصادفة أن رجلاً كسيف الدولة يهب المئات والآلاف من الدنانير لقصيدة تقال، في حين يعاني الكندي ظروفاً ألجأته لاعتزال الناس، وأن يقضي الحسن بن الهيثم بقية عمره كاسباً قوته من نسخ الكتب.
4-إشاعة أفكار خاطئة تثبيتاً لكراسي الحكم، أوإعطاؤها الضوء الأخضر للمرور، في حين أنها تعاملت مع الذين ينشرون أفكاراً تخالف تلك الأفكار بكل وحشية وضراوة، وما فكر الإرجاء إلا مثل وشاهد حي على ذلك، وارجع إلى تراجم بعض رواة الأحاديث ممن عرفوا بالإرجاء والدعوة إليه لتتحقق من صحة ما نقول(1) .
(1) يقول الأستاذ أحمد أمين في ضحى الإسلام (3 /322-323) ط مكتبة النهضة المصرية: ( وقد تسرب كثيرا من عقائد المرجئة إلى أهل السنة كالقول بجواز تخلف الوعيد دون الوعد ونحو ذلك.
و إذا قال المتكلم بالأصول التي ذكرناها عد مرجئا. وكثير من المرجئة كان يقول بهذه الأصول، وفي الوقت عينه يقول ببعض أصول المعتزلة، كأن يري أن الإنسان يخلق أفعال نفسه ، أو أن الله لا يُرى بالبصر يوم القيامة. فيسمونهم - إذ ذاك - معتزلة المرجئة، وفي هذا التعبير تسامح من كتب الفرق، لأن الإرجاء في جوهره يخالف أصلاً هاماً من أصول المعتزلة، وهو اعتبار العمل ركناً من الإيمان وخروج الفاسق عن الإيمان، وإيجاب تعذيب العاصي وتخليد الفاسق في النار.وقد قدمنا أنه لا يسمى معتزليا إلا من قال بالأصول الخمسة السابقة).
وقال في (3/ 323-327): ( من نتائج تعاليم المرجئة - أعني أن الإيمان هو التصديق وأن العمل ليس داخلا في مفهومه- اتساع دائرة المؤمنين فكل من آمن بالله ورسله فهو مؤمن وإن ارتكب الكبائر، كما أن مبدأهم في جواز عفو الله عن العصاة أوجد احتمال أن مرتكب الكبيرة يدخل الجنة من غير عقاب) إلى أن قال ( وهذه الأنظار التي حكيناها عن المرجئة تخدم السياسة ولو من طريق غير مباشر. وأقل ما فيها أن أصحابها محايدين، لا ضد الدولة ولا معها، وبيان ذلك أنهم لما استعرضوا أعمال السياسة على مبادئهم رأوا أن المتقاتلين والذين قاتلوا مع معاوية، كلهم مصدق بالله ورسوله، وكلهم متأول، فكلهم مؤمن، وإذا أخطأ بعضهم فعفو الله قد يشملهم، إذا فهم لا يكفرون أحداً من هؤلاء المتقاتلين، لا يكفرون عمرو بن العاص ولا معاوية ولا غيرهما كما يفعل الخوارج وبعض المعتزلة، ولا يكفرون قتلة عثمان ولا يكفرون طائفة من طوائف المتحاربين، لأن غاية خطئهم إن أخطأوا أنهم ارتكبوا كبيرة، والكبيرة لا تخرج من الإيمان. على أنهم وقفوا في الحكم على أي الفرقين هو المخطئ لأن كل فريق متأول، وكل فريق له حججه، والأمر يتعلق بالنيات أكثر مما يتعلق بالأعمال، والله هو الذي يطلع على نيات الناس وضمائرهم، فلنكل أمرهم جميعا إلى الله، ولا نسب أحدا، ولا نقطع بأنه سيدخل النار حتماً.
… ونتيجة هذا أنهم كانوا ينظرون إلى معاوية وصحبه نظرتهم إلى علي وصحبه، ويرون مهادنة بني أمية صحيحة، وأن خلفاءهم مؤمنون لا يصح الخروج عليهم وتصح الصلاة وراءهم، وأن غاية ما يفعله أحدهم من الشر أن يرتكب كبيرة ومرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، ولذلك لم نر الأمويين اضطهدوا مرجئا لإرجائه، كما كانوا يضطهدون المعتزلة لاعتزالهم، والخوارج لخارجيتهم، والشيعة لتشيعهم، بل نراهم كانوا يستعملون من عرف بالإرجاء في أعمالهم، كما فعل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة بثابت قطنة، وهو شاعر المرجئة، فقد ولاه أعمالا من أعمال الثغور.
… فإن كان الأمويون قد عذبوا أحداً من المرجئة ، فليس سبب العذاب إرجاءه ولكن شيء أخر، فقتلوا الحارث بن سريج وهو زعيم من زعماء المرجئة في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية، لا لأنه مرجئ، ولكن لخروجه وثورته لأسباب قبلية وعدوات شخصية.
وتعذيب أبي جعفر المنصور لأبي حنيفة لا لإرجائه، لكن لأنه على ما يظهر أحس منه ميل إلى تفضيل محمد بن عبد الله بن الحسن(النفس الزكية) على المنصور وهكذا. … ...
فالمرجئة أميل إلى المسالمة. حكى الطبري أنه لما تولى يزيد بن عبد الملك بن مروان خرج عليه يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، واستولى يزيد بن المهلب على البصرة وعلى ما يليها من فارس والأهواز، ودعا الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه، وحثهم على الجهاد، وزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم، وتبعه في ذلك قوم من المرجئة، وعلى رأسهم رجل يقال له أبو رؤبة، وقد أرسل يزيد بن عبد الملك جيشاً لمحاربة ابن المهلب يقوده أخوه مسلمة بن عبد الملك. فلما حرض يزيد بن المهلب أصحابه على قتال مسلمة بن عبد الملك وجنده قال أبو رؤبة المرجئ ( إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وقد زعموا أنهم قبلوا ، فليس لنا أن نمكر ولا نغدر ولا نريدهم بسوء)، فقال لهم يزيد بن المهلب ( ويحكم! أتصدقون بنى أمية، إنهم أرادوا أن يجيبوكم ليكفوكم منهم حتى يعملوا في المكر)، قالوا (لا نرى أن نغفل ذلك حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قبلوه منا). فهم إذا خاصموا بني أمية خاصموهم في لين ورفق.
… وكذلك كان شأنهم مع العباسيين، مهادنين مسالمين. وقد روى طيفور أن المأمون قال: ( الإرجاء دين الملوك)، وهذه الجملة تمثل معاني متعددة فمنها أن الإرجاء هو الدين الذي يرضاه الملوك من أتباعهم ، لأنهم يقفون موقف مسالمة فلا يثيرون شغباً، ولا يخرجون عن طاعة مهما ارتكب الملوك من معاص، ومصلحة الملوك -دائماً- أن تسالمهم الرعية، وتكل أمر العاصي منهم إلى الله يتولى عقابه أو العفو عنه ،ولو اعتنق الناس هذا المبدأ مبدأ الإرجاء ما خرج خارج على عثمان ولا على علي ولا على معاوية، ولارتاح الملوك من الثورات المتتالية.
وهناك معنى آخر لهذه الجملة ، وهو أن الإرجاء أنسب المذاهب لأن يعتنقه كل ملك، لأنه يحمله على أن ينظر لأهل الأخرى من معتزلة وخوارج وشيعة وغيرهم نظرة معتدلة، فلا يكفر أحداً، ولا يتدخل في عقيدة أحد، فكلهم مؤمنون، ومن عصى منهم فأمره إلى الله، وهذا يجعل الملك فوق المذاهب وفوق الأحزاب الدينية، فهو مَلِكُ الجميع، وهذا أصلح للملك).