معالم للزمن القادم لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٥٨? وجاء في تفسير المنار عند الحديث عن بعض القضايا العقدية: (وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة الشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقب دعائه، وليس فيها أيضاً ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتماداً على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحد في الآخرة إلا طاعته ورضاه، ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ ، إلى أن قال: (هذا وقد ذكر الأستاذ الإمام أن اليهود الذين خوطبوا ببيان هذه الحقيقة كانوا - كغيرهم من أهل الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصرين واليونان - يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا، فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلاً وجزاء عنه - كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية، ثم ذكر أن الإسلام اكتسح هذه العقائد وآثارها العلمية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها، فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزاراً مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن، ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولقنوه كما ترشد كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل الإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقاً والكذب صدقاً)(1) .
ومن هذا النص يتبين لنا الآتي:
أولاً: أن الأستاذ الإمام محمد عبده تعامل مع نصوص الشفاعة مباشرة خارج إطار المدرسة الأثرية، مما جعله يضع اليد على مكمن الداء وموضع العلة.
ثانياً: الاستقلال الفكري الذي تميز به هذه الإمام مما جعله يعلن رأيه بكل حرية وجرأة، ما دام قد وصل إلى درجة القناعة التامة به.
(1) تفسير المنار (1/306-308)، محمد رشيد رضا، ط دار الفكر.