مفهوم الشورى في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أ 239 مفهوم الشورى في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٥

المنذر-رضي الله تعالى عنه-قائلا له: " يا رسول الله، أهذا منزل أنزلَكَه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أو هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ "، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( بل الرأي والحرب والمكيدة )، فقال له: " يا رسول الله، هذا ليس بمنزل، فلنأتِ إلى أقرب ماء من العدو فننزلَ به ونُغوِّر ما وراءه من العيون "، فأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - صواب رأي هذا المشير، فرجع-عليه أفضل الصلاة والسلام-إلى رأيه، ونزل في المكان الذي اختاره هذا الرجل؛ وفي غزوة أُحُد نفسها استشار النبي- صلى الله عليه وسلم - المؤمنين فيما يواجِه به هذه الفئة الكافرة المتحدية للإيمان، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يرى أن يبقوا في المدينة وأن يكافحوا الكفرة من نفس المدينة المنورة فيدفعوهم عن أنفسهم، وكان هذا رأي عبد الله بن أبيّ، وقد ذَكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ أهل المدينة ما خرجوا لمقاومة عدوهم إلا هزموا وما بقوا مكانهم فقاوموهم من مكانهم إلا انتصروا .. هكذا كانت التجرِبات السابقة، إلا أنّ الحماس كان يملأ قلوب جماعة المؤمنين-أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - -فأرادوا أن يخرجوا، خصوصا أولئك الذين لم يُكتب لهم أن يشهدوا غزوة بدر، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رأيهم مع تبيُّنِه-عليه أفضل الصلاة والسلام-أنّ الرأي ليس رأيهم، وكان - صلى الله عليه وسلم - متوقِّعا أمرا فيه شر من رؤيا رآها صلوات الله وسلامه عليه، فقصّها على أصحابه، وأوّلَها - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيُقتل رجل من قرابته ورجال من أصحابه، ولكنه مع ذلك فإنه-عليه أفضل الصلاة والسلام-رأى أن يطبق مبدأ الشورى مهما كلفه ذلك من ثمن، ومهما وقع فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خطإ، فإنّ الأخطاء الوقتية تكسب أصحابها دروسا، والمبدأ يجب ألاّ يُعطل، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مثلٌ أسمى يجب على هذه الأمّة

٥ / ٢٠