مفهوم الشورى في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أ 239 مفهوم الشورى في الإسلام

الجزء ١ · صفحة ٧

والحيلولة بين هذه الأمّة وبين استشارتها لأجل تفادي أن تقع في الأخطاء إنما مثله كمثل الطفل الذي يحال بينه وبين التعود على المشي حذرا من أن يقع على الأرض، فإنّ هذا الطفل ينشأ بطبيعة الحال نشأة غير نشأة الأطفال الذين تربَّوا على اعتياد المشي من أول الأمر.

وهذه الاستشارة التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستشيرها أصحابَه إنما هي في غير الأمور الدينية، التي يوحى إليه فيها من قِبَل الله - سبحانه وتعالى - ، فأمر الدين لا مجال للتشاور فيه، وكل ما نَصّ الله عليه أو نَصّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة إلى هذه الأمّة فلا مجال للتشاور فيه .. لا مجال لأن يتشاور الناس في أن يُقِروا مبدأ إقامِ الصلاة أو لا يقروه، أو يقروا مبدأ الزكاة أو لا يقروه، أو يقروا أمر الحج أو لا يقروه، فإنّ هذه أمورا مفروغ منها، لا مجال لأن يعترِض فيها معترض، أو يشير فيها مشير: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا ﴾ [ سورة الأحزاب، الآية 36 ]، إنما المشورة هي في الأمور العامّة التي ترجع بالخير والنفع أو بالشر والضر إلى الأمّة .. هنا تقع المشورة، وهذه الأمور-أيضا-كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما يوجَّه فيها من قِبَل الله - سبحانه وتعالى - بوحي ظاهر أو باطن لا يتردد في أن يقبل أمر الله، ويتركَ رأي أصحابه جانبا، ولو رأوا في مسلكه غضاضة عليه، كما وقع ذلك في صلح الحديبية، فإنّ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسوا بالغضاضة .. أحسوا بالضَّيم في جانب هذه الأمّة من خلال النظر إلى بنود ذلكم الصلح، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان موجَّها من قِبَل الله - سبحانه وتعالى - رأى أنّ الخير كل الخير في ذلك الصلح، وحرَص-عليه أفضل الصلاة

٧ / ٢٠