الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٤٨إنّ أبا مسلم لا يتحرّج من تكرار الكلمات والجمل والمعاني؛ لأنّه لا يؤمن إلاّ بشيء واحد، هو إنّ للشّعر رسالة ووظيفة محدّدة، يجب القيام بها بأيّة وسيلة يتمكّن منها، ولو بواسطة التّكرار. وفي سبيل ذلك لا يعير للجانب الفنّي كبير اهتمام، إذا كان يحول بينه وغايته.وهذه نظرة الإحيائيين للعمل الشّعري. يقول الدّكتور محمد ناصر : " وقد دفع الإحساس النّهضوي الشّاعر أبا مسلم إلى حشد كلّ العناصر الفنّية التي تضمن له تجسيد تلك المشاعر، فلم يكتف باستخدام أدوات الخطاب المتنوّعة، وإنّما لجأ إلى أسلوب التّكرار. والتّكرار الذي نعنيه هنا هو التّكرار اللّفظي. فهو قد يبدأ بكلمة أو جملة ثمّ يكرّرها في الأبيات المتتالية مرّات عديدة، تصل أحيانا عشر مرّات. وقد يراه البعض تقليدا وحشوا، ويراه بعض لازمة من لوازم الأسلوب والهدف اللّذين اختارهما الشّاعر لشعره. " (1)
إنّ التّكرار من أهدافه أو دواعيه التّأكيد والإصرار والتّحذير والإخطار ، وإثارة العواطف والإشارة إلى عمق المأساة… وعن طريق التّعامل أو التّأمّل فيما تكرّر في شعر الشّاعر، قد يدخل الدّارس إلى داخل نفس الشّاعر ليفهم حقيقة شخصيّته، ويقف على طبيعة اهتماماته، ويعي الموضوعات التي يثيرها ويتعلّق بها، ولماذا يثيرها…
هناك كلمات مكرّرة كثيرا في شعر أبي مسلم، تعدّ مفاتيح لشخصيته كالسّيف والبرق والدّهر، والألفاظ التي تدلّ على معاني الإيمان والإسلام وما يتّصل بها، والألفاظ التي تشير إلى الموت ودلالاتها، إضافة إلى تراكيب معيّنة تكون جاهزة أحيانا، ومتجاورة أخرى ، ومتقابلة ومتضادة مرّات…
بما أنّنا قد أتينا على أمثلة من هذا التّكرار في الصّفحات السّابقة، فإنّنا سنكتفي بشواهد قليلة نذكرها هنا. قال مثلا :
عوائد الله أغنى لِي وإن تربت كفّي ونعمة ربِّي نعمة جلل(2)
(1) 92) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 183 .
(2) 93) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 369 .