الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٤٧إنّ التّكرار في شعر أبي مسلم : تكرار المعاني والأفكار والألفاظ والتّراكيب… ظاهرة لافتة للنّظر، تستوقف الدّارس ، وتدفع به إلى أن يتشعّب في التّفسير ، ، ويذهب بعيدا في التّأويل، فيغوّر وينجد في إصدار الأحكام ، التي قد تكون إيجابيّة وقد تكون سلبيّة.
من هذه التّفسيرات الإيجابيّة لهذه الظّاهرة أنّها تدلّ على وضوح رؤية الشّاعر إلى الأمور، كما تبرز التزامه نهجا واحدا في الاعتقاد والتّفكير والكتابة والتّعبير، وتحديد هدف معيّن ورسم خطّة محكمة في تحرّكه وعمله، وحصر نفسه في خندق واحد، يتحرّك فيه. وطالما وجد أنّ غايته لم تتحقّق كما يريد هو، فإنّه يكرّر ما كان يقوله ويدعو إليه، كلّما سنحت الفرصة، وجاءت المناسبة، ودعت الضّرورة. فيتأمّل ويدعو ويوجّه ويأمل، ويلوم ويتعجّب ويسخط، ويبشّر وينذر، ويستنهض ويحمّس، ويكرّر المعاني نفسها، ويعيد التّراكيب والألفاظ ذاتها، من دون حرج، إلاّ أنّ المصدر أوالمورد يبقى واحدا هو الدّين.
لقد أشرنا إلى أحد مواطن هذا التّكرار، وهو ميدان الرّثاء . ففي القصائد التي خصّصها للرّثاء كان يعظ ويرشد وينبّه ويلوم، ويرسل أمثالا وحكما، ويكرّر ذلك كثيرا ، ممّا يوقعه – أحيانا – في الجانب السّلبي من التّكرار . لكن ما يهمّنا في هذا المجال هو أنّ هذا التّكرار أسهم في بيان حقيقة الخطاب الدّيني عند الشّاعر . يقول الدّكتور أحمد درويش : " إنّ التّكرار يمثّل دون شكّ واحدة من أبرز الخصائص التي يتّكئ عليها أبو مسلم لمحاولة إبراز المحاور العاطفيّة الرّئيسيّة في عمل مطوّل مثل مرثيّاته، وهو يستخدمه في إحكام في كثير من أغراض بناء القصيدة. فقد تنتقل به معه من مرحلة الانفعال العاطفي إلى مرحلة سرد المآثر."(1)
(1) 91) م . س ، ص : 193 .