الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 3
الجزء ٣ · صفحة ٥٠شعر أبي مسلم ملئ بالصّور الفنّية التي بناها من الألوان البلاغيّة في الدّرجة الأولى، بل تكاد كلّ صوره لا تخرج عن دائرة البلاغة، يكفي دليلا على ذلك ما امتلأت به إحدى روائعه " النّونيّة ". للوقوف على هذه الصّور المتلاحقة المتساوقة نقرأ ما كتبه الدّكتور سمير هيكل تحليلا لهذه القصيدة (1) وهو لا يشذّ عمّا عرف عن شعراء مدرسة الإحياء، أي إنّ البلاغة تشكّل مادة الصّورة الشّعريّة في شعرهم، من تشبيه واستعارة ومجاز… يقول الدّكتور عمر الدّسوقي عن الإحيائيين : " وخيالهم تصويري مبنيّ على الاستعارة والتّشبيه والمجاز، بل كثيرا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنّما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين؛ متأثّرين بالقوالب المحفوظة والعبارات المتداولة." (2)
يتصدّر التّشبيه بناء الصّورة في الخطاب الشّعري عند أبي مسلم، وهو ما عرف عن شعراء الإحياء أو الاتّجاه المحافظ. قال محمد الهادي الطّرابلسي عن أحمد شوقي : " شوقي من الشّعراء الذين أجروا التّشبيه كثيرا، ناهيك أنّ الصّورة الشّعريّة في الشّوقيات هي في الغالب من باب التّشبيه." (3) والملاحظة نفسها تنطبق على شعراء هذا الاتّجاه بعامّة .
قال أبو مسلم بعد أن تأسّف عن فراق أحبّة كانوا يتّصفون بالأخلاق الحسنة، إلاّ أنّه لم يفقد الأمل في فتية يكومون خلفا لأولئك السّلف :
فتنجلي غرّة الأيّام عن خلف صدق يقوم بنفع الخلق مضطلعا
فإنّ لي أملا قي فتية نجب وريثما حاولوا إدراكه خضعا
(1) 98) ينظر قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ، المنتدى الأدبي ( سلطنة عمان ) إصدار سنة 1418 هم 1998م ، ص : 80 .
(2) 99) عمر الدّسوقي ، في الأدب الحديث، ج2، دار الفكر العربي، القاهر، ( د. ت ) ، ص :339 .
(3) 100) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا ، ص : 239 . نقلا عن محمد الهادي الطّرابلسي ، خصائص الأسلوب في الشّوقيات ، منشورات الجامعة التّونسيّة، 1981، ً : 143 .