الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٣٣إننا – بعد ما تقدّم – نستطيع القول : إن أبا مسلم سار على نهج أسلافه في التمسك بمصطلح السلوك والابتعاد عن مصطلح التصوف الذي لم يرق له مسّماه .وإن راقت له عناصره : ( الطويل )
نصبت لهم من نيرّ الذكر معلما وبوّأتهم من أنفع الذخر مغنما
وصّيرت نفسي خادما لطريقة بها هام أهل الله في الأرض والسما
فيا لرجال الحب والكأس مفعم هلم اشربوا هذا المّغني ترّنما
عصرت لكم من خمرة الله صفوها فموتوا بها سكرا فما السكر مأثما
تمتع أهل الاستقامة قبلنا بها فانتشوا بين الخليقة هيّما
تراهم سكارى ينشر الجمع فهمهم ويطويه نور الفرق في أبحر العمى
ملأت لكم دنّي شرابا مرّوقّا وحركت أوتاري فأنطقت أعجما
وغنيت في شربهم الرسل كلهم " تقدم على باب المليك مّقدما "(1)
نلاحظ في هذه المقطوعة أن الشاعر اعتمد الألفاظ الصوفية من مثل : المعلم ، والمغنم ، والخادم ، والحب ، والكأس ، والمغني ، والشراب ، وحضرة الله ، والسكر ، والنشر ، والطي ، والنور ، والأوتار، وغير ذلك مما يشيع في قصائد المتصوفة حتى غدا علامة لهم ، وسمة تطبع شعرهم ، ولغة تحمل أبعادا وأخيلة ودلالات معنوية رامزة . وقد استوحى هذه العوالم الصوفية ليبني من لغتها صورة كاملة الأطراف ، تعتمد المجاز على المستوى الفني ، فقد صيّر نفسه خادما لأهل الذكر ، يدور عليهم بكأسه التي ملأها بحب الله ، وقد عصر لهم خمرة الله ، فلا ضير أن يهيموا بها سكرا ، فقد سكر بها قبلهم السلف الصالح من أهل الاستقامة نقاء ، وصفاء ، وزهدا ، وإخلاصا لله وحده.
(1) - قصيدة " خمرة الله " ديوان أبي مسلم ، ص 274 .